تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

7.93

و " تولى عنهم " أي تركهم وسار بعيدا عنهم، وحدثهم متخيلا إياهم ﴿ لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم ﴾ ، فكأن المنظر العاطفي الإنساني حين رأى كيف أصبحوا، تعطف عليهم وأسى من أجلهم، لكن يرد هذا التعاطف متسائلا متعجبا ﴿ فكيف آسى على قوم كافرين ﴾؟ إنهم نوع من الناس لا يحزن عليهم المؤمن. فما بالنا بنبي ورسول؟ إنه يحدث نفسه وكأنه يقول: ما قصرت في مهمتي، بل أبلغتكم رسالاتي التي تلقيتها من الله، والرسالات إذا جمعت فالمقصود منها رسالته ورسالة الرسل السابقين في الأمور التي لم يحدث فيها نسخ ولا تغيير، أو رسالاته أي في كل أمر بلغ به لأنه كان كلما نزل عليه حكم يبلغه لهم. أو أن لكل خير رسالة، ولكل شر رسالة، وقد أبلغهم كل ما وصله من الله، ولم يقتصر على البلاغ بل أضاف عليه النصح، والنصح غير البلاغ، فالبلاغ أن تقول ما وصلك وينتهي الأمر، و " النصح " هو الإلحاح عليهم في أن يثوبوا إلى رشدهم وأن يتبعوا نهج الله. ويقول الحق بعد ذلك: ﴿ ومآ أرسلنا في قرية... ﴾.

7.94

وعرفنا من قبل أن القرية هي البلد الجامع لكل مصالح سكانها في دنياهم. والمقصود هنا أن القرية التي يرسل إليها الحق رسولا ثم تكذب فسبحانه يأخذ أهلها بالبأساء والضراء. والبأساء هي المصيبة تصيب الإنسان في أمر خارج عن ذاته من مال يضيع، أو تجارة تبور وتهلك، أو بيت يهدم، والضراء هي المصيبة التي تصيب الإنسان في ذاته ونفسه كالمرض، ويصيبهم الحق بالبأساء والضراء لأنهم نسوا الله في الرخاء فأصابهم بالبأساء والضراء لعلهم يرجعون إلى ربهم ويتعرفون إليه، ليكون معهم في السراء والضراء. والحق يقول:

وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قآئما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنآ إلى ضر مسه..

[يونس: 12]. وكان من الواجب على الإنسان أنه ساعة ما تمسه الضراء أن يتجه إلى خالقه، ولقد جعل الله الضراء وسيلة تنبيه يتذكر بها الإنسان أن له ربا، وفي هذه اللحظة يجيب الحق الإنسان المضطر، ويغيثه مصداقا لقوله الحق:

أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفآء الأرض أإله مع الله قليلا ما تذكرون

[النمل: 62]. وإذا صنع الله مع المضطر هذا فقد يثوب إلى رشده ويقول: إن الإله الذي لم أجد لي مفزعا إلا هو، لا يصح أن أنساه. وكأن الحق سبحانه وتعالى يذكرنا بطلاقة قدرته حين يقول:

فلولا إذ جآءهم بأسنا تضرعوا

[الأنعام: 43]. وكأنه سبحانه يطلب منا حين تجيء البأساء أن نفزع إليه ولا نعتقد أننا نعيش في الحياة وحدنا، بل نعيش في الحياة بالأسباب المخلوقة لله وبالمسبب وهو الله، فالذي عزت عليه الأسباب وأتعبته يروح للمسبب، ولذلك يأخذ سبحانه أية قرية لا تصدق الرسل بالبأساء والضراء لعلهم يضرعون وذلك رحمة بهم. ويقول:

ولكن قست قلوبهم

[الأنعام: 43]. فهل يتركهم الله في السراء والضراء دائما؟ لا، فهو سبحانه يجيئهم ويبتليهم بالبأساء والضراء ليلفتهم إليه، فإذا لم يلتفتوا إلى الله، فسبحانه يبدل مكان السيئة الحسنة، لذلك يقول: ﴿ ثم بدلنا مكان السيئة... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٨٤٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٨٤٤