تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بمآ أوتوا أخذناهم بغتة...

[الأنعام: 44]. وهكذا يكون الآخذ أخذ عزيز مقتدر. وحين يستدرج البشر، فإن الطرف المستدرج له أيضا ذكاء، ويعرف أن هذا نوع من الكيد وفخ منصوب له، لكن حين يكون ربنا القوي العزيز هو الذي يستدرج فلن يعرف أحد كيف يفلت. والعلة في قوله: ﴿ سنستدرجهم ﴾ هي قوله: ﴿ من حيث لا يعلمون ﴾ [الأعراف: 182]. لأن البشر يعلمون طرق استدراج بعضهم لبعض. ويقول الحق بعد ذلك: ﴿ وأملي لهم إن... ﴾.

7.183

والإملاء هو الإمهال وهو التأخير، أي أنه لا يأخذهم مرة واحدة، فساعة يقوم الفاسد بالكثير من الشر في المجتمع، نجد أهل الخير وهم يزيدون من فعل الخيرات، ونسمع دائما من يقول: لو لم يكن هناك إيمان لأكل الناس بعضهم بعضا، فالإيمان يعطي الأسوة واليقين. والإملاء للظالم الكافر ليس إهمالا له من المولى تعالى، بل هو إمهال فقط، ثم يأخذه الله أخذ عزيز مقتدر، وهنا يوضح الحق: إذا كنت سأستدرج وسأملي فاعلم أن كيدي متين. والكيد هو المكر، والمكر أخذهم من حيث لا يشعرون وهو عملية خفية تسوء الممكور به. وهو تدبير خفي حتى لا يملك الممكور به ملكات الدفع. وإذا كان البشر يمكرون ويدبرون تدبيرا يخفى على بعضهم، فماذا حين يدبر الله للكافرين مكيدة أو مكرا أيستطيع واحد أن يكشف من ذلك شيئا؟. طبعا لن يستطيع أحد ذلك. هذا هو معنى ﴿ إن كيدي متين ﴾ ومتين أي قوي، والمتانة مأخوذة من المتن وهو الظهر، ونعرف أن الظهر مكون من عمود فقري وفقرات عظيمة، تحيط بها عضلات. فلو كان العمود الفقري من عظم فقط لكان أي حمل عليه يكسره. فشاءت تجليات ربنا عز وجل واقتضت رحمته وقدرته أن تحاط هذه العظام بعضلتين كبيرتين، وهما ما نسميه في عرف الجزارين " الفلتو " لحماية الظهر وتقويته ووقايته. وإذا نظرنا إلى كلمة " متين " ، نجد " المتن " هو الشيء العمودي في الأشياء، وفي العلم مثلا ندرس الفقه وندرس النحو، ويقال: هذا هو المتن في الفقه، أي الكلام الموجز الذي يختزل العلم في كلمات محددة، والذكي هو من يستوعبه. وغالبا نجد مع المتن الموجز شرحا للمتن، ثم حاشية للمتن. ويقول الحق بعد ذلك: ﴿ أولم يتفكروا ما بصاحبهم... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٩٥٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٩٥٤