40 - سورة غافر
40.1
هذه السورة بداية الحواميم أي: السور المفتتحة بقوله تعالى حم نقول في الجمع الحواميم وهذا الجمع على غير القاعدة، فالأصح أن نقول آل حم و حم من الحروف المقطعة التي ترد في أوائل السور، وسبق أن تكلمنا عليها في أكثر من موضع، والحقيقة أننا نحوم حول معانيها مما يتيسر لنا فهمه واستنباطه منها، والجميع في النهاية يقول: الله أعلم بمراده لأن معانيها فوق الإحاطة. قلنا: إن الحرف له اسم وله مسمى، نقول: ألف للحرف أ وباء للحرف ب هذا اسم الحرف، أما المسمى لو قلت مثلا كتب أنا لا أنطقها كاف تاء باء، فهذه أسماء الحروف إنما أنطقها كتب وهذا هو المسمى: مسمى الكاف ك، ومسمى التاء ت، ومسمى الباء ب، إذن: نحن في كلامنا ننطق بمسمى الحروف. لكن في حم ننطق باسم الحرف فنقول: ح م ولو نطقنا المسمى لقلنا حم. ومن هنا تأتي أهمية السماع في قراءة القرآن، فبالسماع تقرأ في أول البقرة الم هكذا ألف لام ميم، في حين تقرأ نفس الحروف في سورة الشرح
ألم نشرح لك صدرك
[الشرح: 1] ولولا السماع ما كنا نعرف هذا النطق. بعض العلماء أخذوا يحومون حول معاني هذه الحروف في أوائل السور فقالوا: القرآن معجز لأمة العرب ولما نبغ العرب في البيان والفصاحة جاءت المعجزة من جنس ما نبغوا فيه ليكون الإعجاز في محله، وإلا فليس هناك أمة من الأمم جعلت للكلمة أسواقا ومعارض كما فعل العرب في عكاظ والمربد وذي المجاز وغيرها. وكان تحدي القرآن لهم عين الشهادة بتفوقهم في هذا الميدان، وأنهم حجة فيه. لكن من أين يأتي إعجاز القرآن؟ وبم تميز من كلام العرب والحروف هي الحروف والكلمات هي الكلمات؟ قالوا: حروف اللغة منها حروف مبني أي: تبنى الكلمة وهذه الحروف ليس لها معنى في ذاتها، وحروف معنى وهي حروف لها معنى وحدها، فمثلا الكاف حرف مبني لأنه يدخل في بناء كلمة كتب، ولو أخذ الكاف من كتب ما كان لها معنى وحدها، أما الكاف في الجندي كالأسد فهي حرف معنى أفاد وحده معنى التشبيه، ولم يدخل في بناء كلمة الأسد، كذلك الباء حرف مبني في كتب وحرف معنى في بالله لأنه أفاد معنى القسم. ومن هذه الحروف تتكون الكلمات، ومن الكلمات تتكون الجمل والعبارات، والعبارات تكون الأسلوب والأداء المتميز الجذاب الذي يستميل الأذن ويؤثر في النفس، ومن هنا تأتي بلاغة الكلام وفصاحته حين يكون موافقا لقواعد اللغة، فإذا كانت الحروف العربية والكلمات هي هي في القرآن، فبم تميز عن كلام العرب؟ قالوا: تميز بنسيجه الخاص، وأن الذي تكلم به هو الله سبحانه.
وسبق أن قلنا: إننا إذا أردنا أن نختبر جماعة من النساجين في جودة النسيج ورقته لا يصح أن نعطي أحدهم خيوط الصوف والآخر القطن والآخر الحرير، لأن المادة الخام مختلفة فلا نستطيع تمييز الأجود، بل لابد أن تكون المادة واحدة ليتم التمييز. فمعنى ﴿ حم * تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم ﴾ [غافر: 1-2] أو
حم * والكتاب المبين
[الدخان: 2] أو
الم * ذلك الكتاب لا ريب فيه..
[البقرة: 1-2] أي: من هذه الحروف تكون القرآن وأعطى سر الإعجاز والتحدي، لأن الله تعالى هو الذي نطق به وبلغه رسوله صلى الله عليه وسلم، وهو رسول أمي لا يعرف القراءة أو الكتابة. لذلك نطق بالقرآن كما أوحى إليه لم يغير فيه حرفا واحدا لذلك كانت الأمية عيبا وقبحا إلا في رسول الله كانت شرفا وميزة، وكأنه يقول بأميته: أنا لم أتعلم من أحد شيئا، وكل ثقافتي من ربي. كذلك كانت الأمة كلها أمة أمية متبدية لا تعرف الحضارة ولا يحكمها قانون عام، ولو كانت أمة العرب حينها أمة متحضرة لقالوا عن الإسلام أنه وثبة حضارية، لكن جاء الإسلام في جزيرة العرب وهم أمة بدوية ليس لها قانون ولا دستور حكمها إلا قانون القبيلة وعصبيتها، الحاكم فيها شيخ القبيلة، بيوتهم على ظهر جمالهم أنى وجدوا الكلأ نزلوا وضربوا خيامهم، وأنى وجدوا الماء حلوا بجواره، فهم غير مرتبطين بوطن ولا مكان. ناهيك عما كان بينهم من صراع قبلي وحروب تنشب على أيسر الأسباب، وتعرفون مثلا حرب داحس والغبراء التي استمرت بينهم أربعين سنة لذلك لما أراد رسول الله أن يكون للدولة الوليدة جيش ما فتح مدرسة لتعليم فنون القتال والحرب لأنه في أمة تجيد هذه الفنون إجادة تامة، والعربي بطبعه مستعد للحرب كلما سمع هيعة طار إليها. إذن: فكيف لمثل هذه الأمة أن تقود العالم كله أن تفتح بلاد الدنيا، وهي بهذا الوصف؟ فكأن الله تعالى أراد أن يعدهم للسياحة في الأرض بهدي الله لخلق الله فلم يرتبطوا بشيء، ثم بعث فيهم رسول الله فجعل من العبيد سادة، ومن رعاة الشاة قادة ومنارات للأمم كلها. إذن: كانت الأمة العربية معدة لسانا وأمية وبدوية لأن تقود العالم المتحضر ليعرف الجميع أن ما جاء به محمد ليس من عند البشر، إنما من عند الله. نعود إلى مسألة الحروف المقطعة، فنقول: قد تأتي هذه الحروف على حرف واحد مثل ق، ص وعلى حرفين مثل طس، حم وعلى ثلاثة أحرف مثل طسم، الم وعلى أربعة أحرف مثل: المص، المر وعلى خمسة أحرف مثل: كهيعص إذن: ليس لها نسق واحد. وحين نتأمل مجموع هذه الحروف نجده أربعة عشر حرفا يعني نصف حروف الهجاء الثمانية والعشرين، وكونه يأتي بالنصف بالذات يعني أنها مسألة مقصودة لم تأت هكذا كما اتفق، ودليل هذه الحروف الأربعة عشر تصرفت تصرفا يوحي بأن لها ملحظا وحكمة ولم تأت اعتباطا، فهذه الحروف الثمانية والعشرون منها تسعة حروف من أول ألف باء إلى حرف الذال لم يأخذ منها في الحروف المقطعة إلا حرفين هما الألف والحاء وترك الباقين.