7.179
وذرأ، بمعنى بث ونشر، وقد قال الحق سبحانه وتعالى في أول سورة النساء:
وبث منهما رجالا كثيرا ونسآء
[النساء: 1]. كما يقول الحق أيضا:
يذرؤكم فيه
[الشورى: 11]. وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس ﴾ [الأعراف: 179]. ونعرف أن في الكون أشياء عابدة بطبيعتها وهي كل ما عدا الإنس والجن لأن كلا منهما في سلك الاختيار، وهم من يقول عنهم ربنا في سورة الرحمن:
سنفرغ لكم أيه الثقلان
[الرحمن: 31]. وذرأنا معناها بثثنا ونشرنا وكثرنا، وكلمة كثير لا تعني أن المقابل قليل، فقد يكون الشيء كثيرا ومقابله أيضا كثير، والحق سبحانه وتعالى يقول في كتابه الكريم:
ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدوآب
[الحج: 18]. إذن كل الكائنات من جمادات ونباتات وحيوانات تسجد لله سبحانه وتسبحه، ولكن الأمر انقسم عند الإنسان فقط، حيث يقول الحق في ذات الآية:
وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب
[الحج: 18]. أي هناك كثير يسجدون ويخضعون لله ومقابل ذلك كثير كفروا ولم يسجدوا وحق عليهم العذاب. وإذا كان المولى تبارك وتعالى يقول: ﴿ ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس ﴾ [الأعراف: 179]. فقد يثور في الأذهان سؤال هو: هل أنت خالقهم يا رب لجهنم، ماذا يستطيعون إذن؟ ولا شيء في قدرتهم ما دمت قد خلقتهم لذلك؟ ونقول: لا. ولنلفت الأنظار إلى أن في اللغة ما يسمى " لام العاقبة " ، وهو ما يؤول إليه الأمر بصورة تختلف عنا كنت تقصده وتريده لأن القصد في الخلق هو العبادة مصداقا لقوله الحق تبارك وتعالى:
وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون
[الذاريات: 56]. ومعنى العبادة طاعة الأمر، والكف عن المنهي عنه، والمأمور صالح أن يفعل وألا يفعل، فالعبادة - إذن - تستدعي وجود طائع ووجود عاص، وأضرب هذا المثل ولله المثل الأعلى ومنزه سبحانه وتعالى: يأتي لك من يروي لمحة من سيرة إنسان ويقول لك: لماذا يقف منك هذا الموقف العدائي، أليس هو الذي أخذته معك لتوظفه؟ فترد عليه: " زرعته ليقلعني ". هل كان وقت مجيئك به كنت تريده أن يقلعك؟ لا. ولكن النتيجة والنهاية صارت هكذا. والحق سبحانه لم يخلق البشر من أجل الجنة أو النار لكنه عز وجل خلقهم ليعبدوه، فمنهم من آمن وأصلح فدخل الجنة، ومنهم من عصى فدخل النار وهذا اسمه " لام العاقبة " ، أي ما صار إليه غير مرادك منه، ومثال ذلك حينما قال الله سبحانه لأم موسى:
فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رآدوه إليك وجاعلوه من المرسلين * فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا
[القصص: 7-8]. هل التقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا؟ لا، لأن زوجة فرعون قالت:
وقالت امرأة فرعون قرت عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا
[القصص: 9]. فقد كانت علة الالتقاط - إذن - هي أن يكون قرة عين، لكنه صار عدوا في النهاية، وهذا اسمه - كما قلت - لام العاقبة. وهكذا لا تكون علة الخلق أن يدخل كثير من الجن والإنس النار، في قوله الحق: ﴿ ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس ﴾ [الأعراف: 179]. لأن علة الخلق في الأصل هي العبادة، والعبادة تقتضي طائعا وعاصيا، فالذي يطيع يدخل الجنة، والذي يعصي يدخل النار، ولله المثل الأعلى، أذكركم بالمثل الذي ضربته من قبل حين يسأل وزير التعليم مدير إحدى المدارس أو عميد كلية ما عن حال الدراسة والطلبة فيقول العميد أو المدير: إننا نعلم جيدا من هم أهل للرسوب ومن هم أهل للنجاح وإن شئت أقول لك عليهم وأحددهم. لم يقل العميد أو المدير لأنه يتحكم في إجابات الطلبة، ولكنه علم من تصرفاتهم ما يؤولون إليه، والعلم صفة انكشاف لا صفة تأثير. وعلى ذلك فإن قوله تعالى: ﴿ ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس ﴾ [الأعراف: 179]. يعني أننا نشرنا وبثثنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس، وهم من يعرضون عن منهجنا، ثم يأتي الحق بالحيثيات لذلك وهي أولا: ﴿ لهم قلوب لا يفقهون بها ﴾ [الأعراف: 179]. وثانيا: ﴿ ولهم أعين لا يبصرون بها ﴾ [الأعراف: 179]. وثالثا: ﴿ ولهم آذان لا يسمعون بهآ ﴾ [الأعراف: 179]. ولقائل أن يقول: إن كانت قلوبهم مخلوقة بحيث لا تفقه فما ذنبهم هم؟. وما دامت عيونهم مخلوقة بحيث لا ترى فما ذنبهم؟ وكذلك ما دامت الآذان مخلوقة بحيث لا تسمع فلماذا يعاقبون؟. ونقول: لا، لم يخلقهم الله للعذاب، لكنهم انشغلوا بما استحوذ عليهم من شهواتهم، وصارت عقولهم لا تفكر في شيء غيره وتخطط فقط للحصول على الشهوة، وكذلك العيون لا ترى إلا ما يستهويها، وكذلك الآذان. وكل منهم يرى غير مراد الرؤية، ويسمع غير مراد السمع. والفرق بين فقه القلب ورؤية العين وسماع الأذن.. أن فقه القلب هو فهم القضايا التي تنتهي إليها الإدراكات. ونعلم أن الإدراكات تأتي بواسطة الحواس الخمس، فنحن نعرف أن الحرير ناعم باللمس، ونعرف أن المسك رائحته طيبة بالشم، ونعلم - أن العسل حلو الطعم بالذوق. إذن لكل وسيلة إدراك، وهي من المحسات، وبعد أن تتكون المحسات يمتلك الإنسان خميرة علمية في قلبه وتنضج لتصير قضية عقلية منتهية ومسلما بها. وكلنا يعرف أن النار محرقة لأن الإنسان أول ما يلمس النار تلسعه، فيعرف أن النار محرقة، ويتحول الإدراك إلى إحساس ثم إلى معنى إذن فالمعلومات وسائلها إلى النفس الإنسانية وملكاتها الحواس الظاهرة، وهناك حواس أخرى غير ظاهرة مثل قياس وزن الأشياء بالحمل.