يأيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم..
[الأنفال: 24]. فدعوة الله بالطاعة، ودعوة الرسول بالسلوك السوي يعطي للمؤمن حياة الحياة، وهي حياة تعيش في معية الله.
12 - سورة يوسف
12.1
لقد تعرضنا من قبل لفواتح السور من أول سورة البقرة، وسورة آل عمران، وقلنا: إن فواتح بعض من سور القرآن تبدأ بحروف مقطعة ننطقها ونحن نقرؤها بأسماء الحروف، لا بمسميات الحروف. فإن لكل حرف اسما ومسمى، واسم الحرف يعرفه الخاصة الذين يعرفون القراءة والكتابة، أما العامة الذين لا يعرفون القراءة أو الكتابة فهم يتكلمون بمسميات الحروف، ولا يعرفون أسماءها. فإن الأمي إذا سئل أن يتهجى أي كلمة ينطقها، وأن يفصل حروفها نطقا لما عرف، وسبب ذلك أنه لم يتعلم القراءة والكتابة، أما المتعلم فهو يعرف أسماء الحروف ومسمياتها. ونحن نعلم أن القرآن قد نزل مسموعا، ولذلك أقول: إياك أن تقرأ كتاب الله إلا أن تكون قد سمعته أولا فإنك إذا قرأته قبل أن تسمعه فسيستوي عندك حين تقرأ في أول سورة البقرة:
الم
[البقرة: 1]. مثلما تقرأ في أول سورة الشرح:
ألم
[الشرح: 1]. أما حين تسمع القرآن فأنت تقرأ أول سورة البقرة كما سمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم من جبريل - عليه السلام - " ألف لام ميم " ، وتقرأ أول سورة الشرح " ألم ". وأقول ذلك لأن القرآن - كما نعلم - ليس كأي كتاب تقبل عليه لتقرأه من غير سماع، لا. بل هو كتاب تقرؤه بعد أن تسمعه وتصحح قراءتك على قارئ لتعرف كيف تنطق كل قول كريم، ثم من بعد ذلك لك أن تقرأ بعد أن تعرفت على كيفية القراءة لأن كل حرف في الكتاب الكريم موضوع بميزان وبقدر. ونحن نعلم أيضا أن آيات القرآن منها آيات محكمات وأخر متشابهات. والآيات المحكمات تضم الأحكام التي عليك أن تفعلها لتثاب عليها، وإن لم تفعلها تعاقب، وكل ما في الآيات المحكمات واضح. أما الآيات المتشابهات إنما جاءت متشابهة لاختلاف الإدراك من إنسان لآخر، ومن مرحلة عمرية لأخرى، ومن مجتمع لآخر، والإدراكات لها وسائل يتشابه فيها الناس، مثل: العين، والأذن، والأنف، واللسان، واليد. ووسائل الإدراك هذه لها قوانين تحكمها: فعينك يحكمها قانون إبصارك، الذي يمتد إلى أن تلتقي خطوط الأشعة عند بؤرة تمتنع رؤيتك عندها ولذلك تصغر الأشياء تدريجيا كلما ابتعدت عنها إلى أن تتلاشى من حدود رؤيتك. وصوتك له قانون تحكمه ذبذبات الهواء التي تصل إلى أدوات السمع داخل أذنك. وكذلك الشم له حدود لأنك لا تستطيع شم وردة موجودة في بلد بعيدة. وكذلك العقل البشري له حدود يدرك بها، وقد علم الله كيف يدرك الإنسان الأمور، فلم يمنع تأمل وردة جميلة، لكنه أمر بغض البصر عند رؤية أي امرأة. وهكذا يحدد لك الحق الحلال الذي تراه، ويحدد لك الحرام الذي يجب أن تمتنع عن رؤيته.
وكذلك في العقل قد يفهم أمرا وقد لا يفهم أمرا آخر، وعدم فهمك لذلك الأمر هو لون من الفهم أيضا، وإن تساءلت كيف؟ انظر إلى موقف تلميذ في الإعدادية وجاء له أستاذه بتمرين هندسي مما يدرسه طلبة الجامعة هنا سيقول التلميذ الذكي لأستاذه: نحن لم نأخذ الأسس اللازمة لحل مثل هذا التمرين الهندسي، هذا القول يعني أن التلميذ قد فهم حدوده. وهكذا يعلمنا الله الأدب في استخدام وسائل الإدراك فهناك أمر لك أن تفهمه وهناك أمر تسمعه من ربك وتطيعه، وليس لك أن تفهمه قبل تنفيذه لأنه فوق مستوى إدراكك. ودائما أقول هذا المثل - ولله المثل الأعلى - إنك حين تنزل في فندق كبير، تجد أن لكل غرفة مفتاحا خاصا بها، لا يفتح أي غرفة أخرى، وفي كل دور من أدوار الفندق يوجد مفتاح يصلح لفتح كل الأدوار، ولا يفهم هذا الأمر إلا المتخصص في تصميم مثل تلك المفاتيح. فما بالنا بكتاب الله تعالى، وهو الكتاب الجامع في تصميم مثل تلك المفاتيح. فما بالنا بكتاب الله - تعالى - وهو الكتاب الجامع الذي يقول فيه الحق - تبارك وتعالى: