" اللهم أني عبدك وابن عبدك وابن أمتك ناصيتي بيدك ماض في حكمك، عدل في قضاؤك أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور صدري وجلاء همي وذهاب حزني وغمي "
إذن فهذه الأسماء وضعها ربنا لنفسه، لأنها لا تعرف بالعقل. أما إذا نظرت إلى الأوصاف المبدعة للخلق فأنت تتعرف على هذه الأوصاف لأنه تعالى خلق الكون بحكمة وتدبير وقدرة. وأضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى - نحن نؤسس مصانع كثيرة وكبيرة لتصنع المصابيح، فنصنع زجاجا ونفرغه من الهواء، ونضع داخله أسلاكا تتحمل ذبذبة الكهرباء، وبعد استخدام هذه المصابيح لفترة تفسد، بينما الشمس تضيء الكون كل هذا العمر، من بدء الخلق، ولا تحتاج منا إلى قطعة غيار. وحين نقول هو: " حكيم " ، نقولها ونرى أثر ذلك في حركة الكواكب التي تسير منسجمة، وكل كوكب يدور في فلكه ولا يصطدم بآخر، وهذا دليل على أن الكواكب قد خلقت بحكمة. وينبهنا الحق سبحانه وتعالى أن ندعوه بالأسماء الحسنى في قوله: ﴿ ولله الأسمآء الحسنى فادعوه بها ﴾ [الأعراف: 180] لأنه يريد من خلقه دائما أن يذكروه لأنه هو الرب الذي خلق من عدم، وأمد من عدم.
وصان الخلق بقيومية، وحين تأتي لك حاجة وجب عليك أن تذكر أسماء الله الحسنى وتنادي الله بها، وحين تريد أن تتقرب إلى الله لا تناديه إلا بالاسم الذي وضعه لنفسه وهو " الله " ، لأن هذا هو اسم علم على واجب الوجود، وأسماء الله الحسنى كلها صفات وصلت إلى مرتبة الأسماء، وهناك أسماء تدل على مجموع الصفات. ولله المثل الأعلى: أنت تقول: " زيد " فيعرف السامع أن هذا اسم علم على شخص اسمه زيد، ثم له صفات أخرى، كأن يكون تاجرا، أو عالما متفقها في العلم، أو مهندسا. لكن الاسم العلم هو زيد وهو الذي لا يشترك معه أحد من معارفك فيه وهو زيد، لكن الصفات الأخرى قد يشترك معه فيها غيره. والأسماء لله نوعان، اسم يدل على ذات الله، الذات المجردة عن أي شيء وهو الله، ولكن هناك صفات لله مثل الرحمن والرحيم والملك والقدوس والسلام والمؤمن والمهيمن، وهذه صفات ارتقت في السمو والعلو لأنه لا أعلى منها، حتى أصبحت إذا أطلقت إطلاق الكمال الأعلى لا تنصرف إلا لله. فصارت أسماء. قد نقول فلان غني، وفلان كريم، وفلان حكيم، لكن الغنى على إطلاقه هو لله تعالى. والأسماء الحسنى ناشئة من صفات مبالغة في العلو فيها، لأنه سبحانه الأكمل فيها وهي في الأصل صفات لها متعلقات فعلية، وهذه نوعان اثنان: نوع يطلق على الله منها اسم ومقابله، ونوع يطلق عليه الاسم ولا يطلق عليه المقابل، ونأتي بصفة شبيهة بالاشتقاق، فنقول: " غني " ، ونقول: " مغني " فهو غني في صفة ذاته قبل أن يوجد من يغنيه، ومغني وجدت بعد وجود من يغنيه من عباده، وسبحانه حي في ذاته، ومحيي لغيره، والإحياء صفة فعل في الغير. ولابد لها من مقابل، فنقول: محيي ومميت. ولم نقل حي ومقابله، الغير. إذن فالاسم الذي ترى له مقابلا هو صفات الفعل، أما صفات الذات فهي التي لا يوجد لها المقابل. ويلحدون في أسماء الله أي يميلونها إلى غير الله وينقلها الواحد منهم لغير الله أو يأتي باسم للغير ويطلقه على الله، أو يطلق اسما ليس له معنى أو لا يفهم منه أي معنى على الله. إذن " الإلحاد " يأتي في ثلاثة أشياء: إما أن ينقل أحد أسماء الله إلى غير الله، أو يأتي باسم للغير ويطلقه على الله، أو يطلق اسما لله من غير أن يكون قد أنزله الله توقيفيا. ﴿ وذروا الذين يلحدون في أسمآئه سيجزون ما كانوا يعملون ﴾ [الأعراف: 180]. ونعلم أن " العمل " هو اسم للحدث من أي جارحة فنطق اللسان عمل، وشم الأنف عمل، ونعلم أن هناك ما يسمى ب[قول وفعل]، والفعل عمل الجوارح ما عدا اللسان والقول عمل اللسان، والاثنان يطلق عليهما عمل، ولذلك يقول الحق: تبارك وتعالى في سورة الصف: