تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها..

[الرعد: 41] ومع ذلك لم يأخذوا من فتوحات الإسلام عبرة. وقالوا: الحين يراد به القيامة حين يدخل هؤلاء المكذبون النار، عندها سيعلمون صدق هذا الكلام الذي أخبرهم الله به في قرآنه. وكلمة النبأ لا تقال إلا للخبر العظيم الهام، كما قال سبحانه:

قل هو نبأ عظيم * أنتم عنه معرضون

[ص: 67-68]. فما بالك بنبأ الذي وصفه بأنه عظيم هو الله؟ وعظمة الخبر تأتي بمقدار ما يهيىء من الخير للإنسان، فالخبر بأنك نجحت في القبول، غير الخبر بنجاحك في التوجيهية، غير الخبر بأنك أصبحت وزيرا، فعظم الخبر بمقدار ما يحمل لك من الخير المرجو منه للإنسان. إذن: ما بالك بالخير الذي ينتظرك بعد قيامك بالتكاليف الربانية، إنه خير لا يسعدك في دنياك المنقضية فحسب، إنما يسعدك في آخرتك الباقية الخالدة، فعظم هذا الخبر أنه ضمن لك الحياتين الدنيا والآخرة. وأسأل الله في آخر السورة أن يجعل لنا حظا من قوله: ﴿ ولتعلمن نبأه بعد حين ﴾ [ص: 88].

39 - سورة الزمر

39.1

فرق بين تنزيل وإنزال ونزول النزول هو الحدث الذي يأتي بشيء من أعلى إلى أدنى، والإنزال يدل على أن الذي أنزل أعلى من المنزل إليه، أما التنزيل فيدل على النزول على فترات بحسب الأحوال. فقوله تعالى:

إنا أنزلناه في ليلة القدر

[القدر: 1] يعني: أنزلناه جملة واحدة في أول رسالة محمد، ليباشر القرآن مهمته في الوجود، ثم نزل بعد ذلك منجما حسب الحاجة. قال تعالى:

وبالحق أنزلناه وبالحق نزل ومآ أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا

[الإسراء: 105]. يعني: أنزلناه بالحق بداية، وظل على الحق لم يستطع أحد أن يغيره أو يفسده لأنه حق. وهذه المادة نزل أو نزل أو أنزل، تدل كلها على علو المنزل ودنو المنزل إليه، وتدل على أن شرف المنزل من شرف من أنزله، وتدل أيضا على أن من أنزل المنهج القويم للمخلوق يريد أن يكرمه وأن يعلو به. إذن: دل الإنزال على شرف المنزل وعلو مكانته، وعلى شرف ما أنزل وعلى شرف من اختاره الله، وجعله أهلا لأن يوجه إليه هذا الخير. ومن ذلك قوله تعالى في أمة محمد:

كنتم خير أمة أخرجت للناس

[آل عمران: 110]. ولما تتبعنا مادة نزل في القرآن الكريم وجدناها كلها تدل على العلو، إلا في عدة مواضع لم يكن الإنزال فيها من العلو، وهو قوله تعالى في سورة الحديد:

وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس

[الحديد: 25] فالحديد لا ينزل من علو إنما يستخرج من الأرض، فلماذا قال الله:

وأنزلنا الحديد

[الحديد: 25]؟ قالوا: نعم الحديد من الأرض، لكن من جعله فيها؟ الخالق سبحانه، إذن: فهو أيضا إنزال أي: جعل له في الأرض، فلا تنظر إلى جهة الإنزال، إنما إلى من أنزل. ثم إن إنزال الحديد تتميم لرسالات الرسل لهداية الخلق إلى منهج السماء، لأن الله تعالى قال بعدها:

وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب

[الحديد: 25] فمن الحديد سنصنع السيوف والرماح وعدة الحرب. كذلك في:

وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج..

[الزمر: 6] وقوله:

يبني ءادم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير

[الأعراف: 26]. وفي مسألة الإنزال هذه نلحظ لفتة جميلة في أسلوب القرآن الكريم، في استخدام حرف الجر المتعلق بالفعل أنزل، وكيف أنه يأتي مناسبا للمعنى المراد من الإنزال، ففي خطاب النبي صلى الله عليه وسلم يقول له ربه عز وجل:

نزل عليك الكتب بالحق

[آل عمران: 3] قال عليك مع أن الكتاب نزل للناس جميعا

كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته

[ص: 29]. لكن روعي هنا المخاطب المستقبل المبلغ عن الله، لكن لما يتكلم على النعم التي ينتفع الناس بها مباشرة يقول عليكم ثم نلحظ دقة التعبير في استخدام حرف الجر، قال:

وأنزل لكم من الأنعام

[الزمر: 6] وفي اللباس قال:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٠٣٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٠٣٧