" وها هو سيدنا حارثة - رضي الله عنه - يقول: " كأني أنظر إلى أهل الجنة في الجنة ينعمون، وإلى أهل النار في النار يعذبون " ، فيقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " عرفت فالزم ".
وذلك هو اليقين كما آمن به صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
16 - سورة النحل
16.1
هكذا تبدأ السورة الجليلة موضحة أن قضاء الله وحكمه بنصر الرسول والمؤمنين لا شك فيه ولا محالة وأن هزيمة أهل الكفر قادمة، ولا مفر منها إن هم استمروا على الكفر. وقد سبق أن أنذرهم الرسول صلى الله عليه وسلم بما نزل عليه من آيات الكتاب أنذرهم في السورة السابقة ببعض العذاب الدنيوي، كنصر الإيمان على الكفر، وأنذرهم من قبل أيضا ببعض العذاب في الآخرة، كقول الحق سبحانه:
فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا يرجعون
[غافر: 77]. وكذلك قوله الحق:
سيهزم الجمع ويولون الدبر
[القمر: 45]. وهكذا وعد الحق سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم أن يهزم معسكر الكفر، وأن ينصر معسكر الإيمان وإما أن يرى ذلك بعينيه أو إن قبض الحق أجله فسيراها في الآخرة. وعن حال الرسول صلى الله عليه وسلم قال سبحانه:
إنا كفيناك المستهزئين
[الحجر: 95]. وأنذر الحق سبحانه أهل الشرك بأنهم في جهنم في اليوم الآخر، وهنا يقول سبحانه: ﴿ أتى أمر الله.. ﴾ [النحل: 1]. وهذا إيضاح بمرحلة من مراحل الإخبار بما ينذرون به، كما قال مرة:
اقتربت الساعة وانشق القمر
[القمر: 1]. أي: اقتربت ساعة القيامة التي يكون من بعدها حساب الآخرة والعذاب لمن كفر، والجنة لمن آمن وعمل صالحا، فاقتراب الساعة غير مخيف في ذاته، بل مخيف لما فيه من الحساب والعقاب. وقيل: إن أهل الكفر لحظة أن سمعوا قول الحق سبحانه:
اقتربت الساعة..
[القمر: 1]. قالوا: " فلننتظر قليلا فقد يكون ما يبلغ به محمد صحيحا " وبعد أن انتظروا بعضا من الوقت، ولم تأت الساعة كما بشر الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم قالوا: انتظرنا ولم تأت الساعة، فنزل قول الحق سبحانه:
اقترب للناس حسابهم..
[الأنبياء: 1]. وهذا حديث عن الأمر الذي سيحدث فور قيام الساعة، فهادنوا وانتظروا قليلا، ثم قالوا: أين الحساب إذن؟ فنزل قوله تعالى: ﴿ أتى أمر الله.. ﴾ [النحل: 1]. وساعة سمع الكل ذلك فزعوا بمن فيهم من المسلمين وجاء الإسعاف في قوله من بعد ذلك: ﴿ فلا تستعجلوه.. ﴾ [النحل: 1]. أي: أن الأمر الذي يعلنه محمد صلى الله عليه وسلم لا يعلم ميعاده إلا الله سبحانه واطمأن المسلمون. وكل حدث من الأحداث - كما نعلم - يحتاج كل منها لظرفين ظرف زمان وظرف مكان. والأفعال التي تدل على هذه الظروف إما فعل ماض فظرفه كان قبل أن نتكلم، وفعل مضارع. أي: أنه حل، إلا إن كان مقرونا ب " س " أو ب " سوف ". أي: أن الفعل سيقع في مستقبل قريب إن كان مقرونا ب " س " أو في المستقبل غير المحدد والبعيد إن كان مسبوقا ب " سوف " ، وهكذا تكون الأفعال ماضيا، وحاضرا، ومستقبلا.
وكلمة أتى تدل على أن الذي يخبرك به - وهو الله سبحانه - إنما يخبرك بشيء قد حدث قبل الكلام، وهو يخبر به، والبشر قد يتكلمون عن أشياء وقعت ويخبرون بها بعضهم البعض. ولكن المتكلم هنا هو الحق سبحانه وهو حين يتكلم بالقرآن فهو سبحانه لا ينقص علمه أبدا، وهو علم أزلي، وهو قادر على أن يأتي المستقبل وفق ما قال، وقد أعد توقيت ومكان كل شيء من قبل أن يخلق وهو سبحانه خالق من قبل أن يخلق أي شيء فالخلق صفة ذاتية فيه وهو منزه في كل شيء ولذلك قال: ﴿ أتى أمر الله فلا تستعجلوه سبحانه.. ﴾ [النحل: 1]. أي: أنه العليم بزمن وقوع كل حدث، وقد ثبت التسبيح له ذاتا من قبل أن يوجد الخلق فهو القائل:
يسبحون اليل والنهار لا يفترون
[الأنبياء: 20]. ثم خلق السماوات وخلق الأرض وغيرهما. أي: أنه مسبح به من قبل خلق السماوات والأرض، وهو القائل سبحانه: