7.7
أي سيخبرهم بكل ما عملوا في لحظة الحساب لأنه سبحانه لم يغب يوما عن أي من خلقه لذلك قال: ﴿ وما كنا غآئبين ﴾ ، ونعلم أن الخلق متكرر الذوات، متكرر الأحداث، متكرر المواقع، هم ذوات كثيرة، وكل ذات لها حدث، وكل ذات لها مكان. فإذا قال الحق للجميع: ﴿ وما كنا غآئبين ﴾ أي أنه مع الجميع، وما دام ليس بغائب عن حدث، ولا عن فاعل حدث، ولا عن مكان حدث، وهؤلاء متعددون. إذن هو في كل زمان وفي كل مكان. وإن قلت كيف يكون هنا وهناك؟ أقول: خذ ذلك في إطار قوله:
ليس كمثله شيء
[الشورى: 11]، ومثل هذه المعاني في الغيبيات لا يمكن أن تحكمها هذه الصور. والأمر سبق أن قلناه حين تحدثنا عن مجيء الله فله طلاقة القدرة وليس كمثله شيء، وما كان غائبا في حدث أو مكان. ويقول الحق بعد ذلك: ﴿ والوزن يومئذ... ﴾.
7.8
في هذه الآيات نجد الحديث عن الوزن للأعمال، وهذا كله تأكيد للحجة عليهم فالله لا يظلم أحدا، وفي وزن الأعمال إبطال للحجة من الذين يخافون النار، ولم يؤدوا حقوق الله في الدنيا، وكل ذلك ليؤكد الحجة، ويظهر الإنصاف ويقطع العذر، وهناك قول كريم يقول فيه الحق سبحانه:
ونضع الموازين القسط ليوم القيامة..
[الأنبياء: 47]. هذه الموازين هي عين العدل، وليست مجرد موازين عادلة، بل تبلغ دقة موازين اليوم الآخر أنها هي عدل في ذاتها. وهنا يقول الحق: ﴿ والوزن يومئذ الحق ﴾. نعم، الميزان في هذا اليوم حق ودقيق، لنذكر انه قال من قبل:
من جآء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جآء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون
[الأنعام: 160]. والميزان الحق هو الذي قامت عليه عدالة الكون كله، وكل شيء فيه موزون، وسبحانه هو الذي يضع المقادير على قدر الحكمة والإتقان والدقة التي يؤدي بها كل كائن المطلوب منه، ولذلك يقوله سبحانه:
والسمآء رفعها ووضع الميزان
[الرحمن: 7]. ولم نر السماء قذفت وألقت علينا أحداثا غير متوقعة منها، فالكون له نظام دقيق. والوزن في يوم القيامة هو مطلق الحق، ففي هذا اليوم تبطل موازين الأرض التي كانت تعاني إما خللا في الآلة التي يوزن بها، وإما خللا في الوزن، وإما أن تتأثر بأحداث الكون، وما يجري فيه من تفاعلات، أما ميزان السماء فلا دخل لأحد به ولا يتأثر إلا بقيمة ما عمل الإنسان، وساعة يقول سبحانه: ﴿ والوزن يومئذ الحق ﴾. فكأن الميزان في الدنيا يمكن أن يحصل فيه خلل، وكذلك الملك أيضا لأنه سبحانه أعطى أسبابا للملك المناسب لكل إنسان، فهذا يملك كذا، والثاني يملك كذا، والثالث يملك كذا، وبعد ذلك يتصرف كل إنسان في هذا الملك إن عدلا، وإن ظلما على ضوء الاختيار. لكن حين يأتي اليوم الآخر فلا ملك لأحد:
لمن الملك اليوم لله الواحد القهار
[غافر: 16]. فالأمر حينئذ يكون كله لله وحده، فإن كان الملك في الدنيا قد استخلف فيه الحق عباده، فهذه الولاية تنتهي في اليوم الآخر: ﴿ فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ﴾. وسبحانه هو القائل:
فأما من ثقلت موازينه * فهو في عيشة راضية * وأما من خفت موازينه * فأمه هاوية * ومآ أدراك ما هيه * نار حامية
[القارعة: 6-11]. إذن فالميزان يثقل بالحسنات، ويخف بالسيئات، ونلحظ أن القسمة العقلية لإيجاد ميزان ووزان وموزون تقتضي ثلاثة أشياء: أن تثقل كفة، وتخف الأخرى، أو أن يتساويا، ولكن هذه الحال غير موجودة هنا. ويتحدث الحق عن الذين تخف موازينهم فيقول سبحانه وتعالى: ﴿ ومن خفت موازينه... ﴾.