7.157
فهذه تسع صفات لسيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهي أن الله أوحى إليه كتابا مختصا به وهو القرآن، وأنه صاحب المعجزات، وأنه بلغ ونبأ بأفضل وأتم العقائد والعبادات والأخلاق - وهو - عليه الصلاة والسلام - الأمي الذي لم يمارس القراءة والكتابة ولم يجلس إلى معلم، فهو - عليه السلام - باق على الحالة التي ولد عليها، وقد ذكره ربه - جل وعلا - باسمه وصفاته ونعوته عند اليهود والنصارى في التوراة والإنجيل وقد كتمها الكافرون منهم أو أساءوا تأويلها، كما وصفه ربه بأنه يأمرهم بالمعروف ويكلفهم بفعل ما تدعوا إليه الطبائع المستقيمة والفطر السليمة لأن في ذلك النجاح في الدنيا والفلاح في الآخرة، وأنه - صلى الله عليه وسلم - يزجرهم وينهاهم عن كل منكر مستهجن تستقبحه الجبلة القويمة، والخلقة السوية، ويحل لهم ما حرم عليهم من الطيبات التي منعوا منها وحظرها الله عليهم جزاء طغيانهم وضلالهم، ويحرم عليهم كل ضار وخبيث: كأكل الميتة والمال الحرام من الربا والرشوة والغش، ويخفف عنهم ما شق عليهم وثقل من التكاليف التي كانت في شريعة موسى - عليه السلام - كقطع الأعضاء الخاطئة وتحريم الغنائم عليهم ووجوب إحراقها، وكذلك يخفف الله ويحط عنهم المواثيق الشديدة التي فرضت عليهم عقابا لهم على فسوقهم وظلمهم. يقول - جل شأنه -:
فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا * وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل وأعتدنا للكافرين منهم عذابا أليما
[النساء: 160-161]. وهكذا أعلم الله الرسل السابقين على سيدنا رسول الله أن يبلغوا أقوامهم بمجيء محمد صلى الله عليه وسلم، وأن يؤمن الأقوام التي يشهدون ويعاصرون رسالته صلى الله عليه وسلم، صحيح أن رسول الله لم يكن معاصرا لأحد من الرسل، ولكن البشارة به قد جاءت بها أنبياؤهم وسجلت في الكتب المنزلة عليهم، وكل رسول سبق سيدنا محمدا صلوات الله وسلامه عليه، قد أمره الله أن يبلغ الذين أرسل إليهم أن يتبعوا الرسول محمدا ويؤمنوا به ولا يتمسكوا بسلطة زمنية ويخافوا أن تنزع منهم. وما دام الرسول صلى الله عليه وسلم قد جاء ومعه معجزة وبينة فلا بد أن يؤمنوا به.
وإذ أخذ الله ميثاق النبيين..
[آل عمران: 81]. إذن فقد صنع الله سبحانه وتعالى خميرة إيمانية حتى لا يتعارض أتباع الأديان. ولا يفهم أصحاب دين موجود أن دينا آخر جاء لينسخه ويأخذ منه السلطة الزمنية لأن رسالة الإيمان موصولة وتحدث الأقضية للناس بامتداد الزمان. فكل الرسل يحرصون على أن تكون الحياة آمنة سعيدة تتساند فيها المواهب ولا تتعاند فيها الحركات.
وقد طلب الحق من الرسل ذلك وأخذ عليهم العهد وبعد ذلك أكده فقال: ﴿ أأقررتم ﴾ واستوحى منهم الكلام الذي يؤيد هذا المنهج. ولذلك لا يصح لتابع نبي أن يصادم رسالة جديدة مؤيدة بمعجزة ومؤيدة بمنهج يضمن للإنسان الحياة وسلامتها وسعادتها. ولم يكتف الحق بأن يجعل الإيمان برسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم مجرد خبر، بل وضع لمحمد وحده سمة في الكتب التي سبقته، ووصفه لهم مشخصا، وحين يصفه مشخصا فهذا أوضح من الخبر عنه بكلام. ولذلك قال عبد الله بن سلام عندما سأله عمر رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أنا أعلم به مني يا بني. قال: ولم؟ قال: لأني لست أشك في محمد أنه نبي، فأما ولدي فلعل والدته قد خانت، فقبل عمر رأسه. ولذلك يقول الحق سبحانه: ﴿ يعرفونه كما يعرفون أبنآءهم ﴾. ولا شك أن الإنسان يعرف ابنه معرفة دقيقة. ورسول الله صلى الله عليه وسلم كانت له سمات خاصة وهي التي تثبت شخصيته صلى الله عليه وسلم المادية، وليس الأمر في رحلة الإسراء والمعراج مجرد كلام، بل إنه حينما سئل عن هذه الرحلة قال: " رأيت موسى وإذا رجل ضرب، رجل كأنه من رجال شنوءة، ورأيت عيسى فإذا هو ربعة أحمر كأنه خرج من ديماس - الحمام - وأنا أشبه ولد إبراهيم به ". وكذلك أعطى الله في التوراة والإنجيل لا الخبر عن محمد صلى الله عليه وسلم فقط، بل أعطى تفاصيل صورته بحيث تتشخص لهم، فلا يلتبس به عند مجيئه مع التشخيص شريك، فيقول سبحانه: ﴿ يعرفونه كما يعرفون أبنآءهم ﴾. ولكن فريقا منهم كتموا الحق ليحتفظوا بالسلطة الزمنية، لأنهم كانوا يظنون أنه حين يأتي دين جديد سيأخذ منهم هذه السلطة الزمنية ويقود الأمم والشعوب. لقد أراد الحق سبحانه وتعالى أن يجعل رسل السماء إلى الأرض متعاونين لا متعاندين، ينصر بعضهم بعضا. كما جاء في سورة الفتح: