تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

3 - سورة آل عمران

3.1

وجاءت أيضا في سور أخرى، في سورة العنكبوت، وفي سورة الروم، ولقمان، والسجدة، وزاد عليها راء في بعض السور، وزاد عليها صادا في بعض السور " المص " و " المر " كل ذلك جاء تأكيدا للمعاني أو تأكيدا للسر الذي وضعه الله في هذه الحروف، وإن لم نكن ندرك ذلك السر. والإنسان ينتفع بأسرار الأشياء التي وضعها من أوجد الأشياء وإن لم يعلم هذه الأشياء فهو منتفع بها، وضربنا المثل وقلنا: إن الريفي الذي ليس عنده ثقافة في الكهرباء، أيستفيد بالكهرباء أم لا؟ إنه يستفيد بها ويحرك زر المصباح لينيره أو ليطفئه، أهو يعلم سر ذلك؟ لا، لكنه إنما انتفع به، فكذلك المؤمن حين يقول: " ألف - لام - ميم " ، يأخذ سرها من قائلها، فهمها أم لم يفهمها، إذن فالمسألة لا تحتاج إلى أن نفلسفها، صحيح أن العقل البشري يحوم حول شيء ليستأنس به، ولكن عطاء الله وحكمة العطاء فوق ما يستأنس به وفوق ما نستوحش به. وقول الحق سبحانه في ختام سورة البقرة:

فانصرنا على القوم الكافرين

[البقرة: 286] يناسب أيضا سورة آل عمران، لماذا؟ لأن الإسلام سيأتي ليواجه معسكر كفر ومعسكر أهل الكتاب، فحتى لا تتشقق دعوة الله التي صدرت عن الله بمواكب الرسل جميعا الذين سبقوا محمدا صلى الله عليه وسلم وأن هذا جاء ليناقض شيئا منه، إنه قد جاء ليعزز دعوة الله، ولتكون هذه الأمم التي تبعت هذه الديانات في صف الإسلام. ولذلك حينما أنكر العرب رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله لهم: " ومن عنده علم الكتاب " أي أن من عنده علم الكتاب يشهد أنك رسول الله.

ويقول الذين كفروا لست مرسلا قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب

[الرعد: 43]. فكان المفروض في أهل الكتاب أنهم حينما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكونوا هم أول المؤمنين برسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه جاء ليؤكد موكب الإيمان ويأتي لهم بسورة يسميها آل عمران حتى يعلم الجميع أنك يا محمد لم تأتي لتهدم ديانة عيسى، ولكن لتبقى ديانة عيسى ولتؤيد ديانة عيسى، فإن كنتم يا من آمنتم بعيسى مؤمنين بعيسى فاهرعوا حالا إلى الإيمان بمحمد فقد سماها الله آل عمران، وجعل لهم سورة في القرآن. إن رسالة محمد صلى الله عليه وسلم لم تأت للعصبية، أو لتمحو ما قبلها كما تأتي عصبيات البشر حين يأتي قوم على أنقاض قوم، ويهدمون كل ما يتصل بهؤلاء القوم حتى التاريخ يمحونه، والأشياء يمسخونها لأنهم يريدون أن ينشئوا تاريخا جديدا. لا، إن هذا القرآن يريد أن يصوب التاريخ، فيأتي بسورة اسمها " آل عمران " وذلك تكريم عال لهذه الديانة ولتابعيها. وبعد ذلك يأتي الحق فيستهلها: بقوله جل شأنه: ﴿ الله لا إله إلا هو... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥١٧