﴿ والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة.. ﴾ [الأعراف: 170]. إذن الاستمساك واضح هنا جدا، وأداء الصلاة تعبير عن الالتزام بالاستمساك بمنهج الإيمان. ولذلك نسمع من يقول: حين ذهبنا إلى مكة والمدينة عشنا الصفاء النفسي والإشراق الروحي، وعشنا مع التجلي والنور الذي يغمر الأعماق. وأقول لمن يقول ذلك: إن ربنا هنا هو ربنا هناك، فقط أنت هناك التزمت، وساعة كنت تسمع الأذان كنت تجري وتسعى إلى الصلاة، وإذا صنعت هنا مثلما صنعت هناك فسترى التجليات نفسها. إذن إن صرت على ولاء دائم مع الحق سبحانه وتعالى فالحق لن يضيع أجرك كأحد المصلحين. لأنه القائل: ﴿ إنا لا نضيع أجر المصلحين ﴾. وهذه قضية عامة، والحق سبحانه وتعالى لا يضيع أجر المصلح. وقوله: ﴿ إنا لا نضيع أجر المصلحين ﴾ بعد قوله: ﴿ يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة ﴾ دليل على أن أي إصلاح في المجتمع يعتمد على من يمسكون بالكتاب ويقيمون الصلاة لأن المجتمع لا يصلح إلا إذا استدمت أنت صلتك بمن خلقك وخلق المجتمع، وأنزل لك المنهج القويم. ويقول الحق بعد ذلك: ﴿ وإذ نتقنا الجبل... ﴾.
7.171
والجبل معروف أنه من الأحجار المندمجة في بعضها والمكونة لجرم عال قد يصل إلى ألف متر أو أكثر، والحق يقول عن الجبال: ﴿ والجبال أرساها ﴾ ولا يقال أرساها إلا إذا كان وجد شيء له ثقل، فأنت لا تقول: " أرسيت الورقة على المكتب " ، ولكنك تقول: " أرسيت لوح الزجاج على المكتب ليحميه " ، وأنت بذلك ترسي شيئا له وزن وثقل. وقد أرسى ربنا الجبال وجعلها في الأرض أوتادا، والوتد - كما نعلم - ممسوك من الموتود والمثبت فيه، بدليل أنه لو تخلخل في مكانه نضع له ما نسميه " تخشينة " لتلصقه وتربطه بما يثبت فيه، وهنا يقول الحق: ﴿ وإذ نتقنا الجبل ﴾ " نتقنا " أي قلعنا، وهناك قول آخر:
ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم وقلنا لهم ادخلوا الباب سجدا وقلنا لهم لا تعدوا في السبت
[النساء: 154]. وقال الحق أيضا:
وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور
[البقرة: 63]. وهنا اختلاف بين " نتق " و " رفع " لأن الجبل راس في الأرض، وممسوك كالوتد لذلك يحتاج قبل أن يرفع إلى عملية نزع واقتلاع من الأرض، ثم يأتي من بعد ذلك الرفع، و " نتقنا " تعني نزعنا الجبل من مكان إرسائه حتى نرفعه، وقد رفعه الله ليجعل منه ظلة عليهم، أي أن هناك ثلاث عمليات: نتق أي نزع وخلع، ثم رفع، ثم جعله سبحانه ظلة لهم، وهذا يحتاج إلى اتجاه في المرفوع إلى جهة ما. والحق يقول: " وإذ " أي اذكر إذ نتقنا الجبل، أي نزعناه وخلعناه من الأرض، ولا ننزعه ونخلعه من الأرض إلا لمهمة أخرى أي نجعله ظلة، وكان تظليل الغمام رحمة لهم من قبل، وصار الجبل ظلة " عذاب " لأن الحق أنزل لهم التوراة على موسى فقالوا له: إن أحكام هذه التوراة شديدة. وللإنسان أن يتساءل: لماذا كل هذا التلكؤ مع التشريعات التي جاءت لمصلحة البشر؟. وجاء لهم العقاب من الحق بأن رفع فوقهم الجبل كظلة تحمل التهديد كأنه قد يقع فوقهم ﴿ كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم ﴾. لذلك نجد أن كل يهودي يسجد على حاجبه الأيسر على الرغم من أن السجود يقتضي تساوي وضع الجبهة على الأرض، ولكنهم يسجدون بميل إلى الحاجب الأيسر لأن السابقين لهم رأوا الجبل فوقهم وتملكهم الخوف من سقوط الجبل، وكانوا يسجدون وفي الوقت نفسه يرقبون الجبل، وبقيت هذه المسألة لازمة فيهم، وصاروا لا يسجدون إلا على حاجبهم الأيسر، بسبب حكاية الجبل الذي نتقه الله وقلعه ورفعه فصار فوقهم ﴿ وظنوا أنه واقع بهم ﴾. والظن هو رجحان قضية، وقد يأتي ويراد به أنه رجحان قوى قد يصل إلى درجة اليقين، مثل قوله الحق:
الذين يظنون أنهم ملقوا ربهم..
[البقرة: 46]. وحين بقيت الحالة هذه، وخافوا من الجبل أن يقع عليهم، ولأن هناك كتابا قد أنزل إليهم وهو التوراة وهم يعصون ويتمردون على ما فيه لذلك قال لهم الحق: ﴿ خذوا مآ ءاتينكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون ﴾ [الأعراف: 171]. و " خذوا " فعل أمر، والأمر يقتضي آمرا، ولا بد له من شيء يأمر به. وكلمة " القوة " هذه هي الطاقة الفاعلة، والأصل في الكون كله أن نقبل على كل شيء بقوة لأن الكون الذي تراه مسخرا ليس له رأي في أن يفعل أو لا يفعل، بل هو فاعل دائما إذا أمر، وكما قلنا من قبل: لم تغضب الشمس على الناس وقالت: لن أطلع هذا اليوم، وكذلك لم يمتنع الهواء، وأيضا لا يرفض الحمار مثلا أن يحمل الروث، أو ينظفه صاحبه ويأتي له ب " البردعة " ليجعله ركوبة متميزة، الحمار إذن لا يعصي هنا ولا يعصي هناك، والكون كله مسخر بقوانين مادية ثابتة.