تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

7.54

هنا ربوبية، وهنا ألوهية: ﴿ ربكم الله ﴾ ولا أحد يختلف في مسألة الربوبية لأن الحق يقول على ألسنة الكافرين والمشركين:

ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله..

[الزمر: 38]. وكذلك إن سألتهم من خلقهم؟ سيقولون: الله، ولم يدع أحد لنفسه مسألة الربوبية، لأن الربوبية جاءت بنفع لهم، لكن الألوهية دخلت بمنهج هو: " افعل ولا تفعل " لأن التكليف من الإله الرب، والتكليف نعمة منه وهو لمصلحتكم أنتم، فلا شيء في التكليف يعود على الله. وفعلكم الحسن أو السيء لن يعطي لله صفة لم تكن له لأن صفات الكمال أزلية، وبصفات الكمال خلقكم أنتم، إذن فأنتم لن تأتوا بصفة ما، بل بصفات الكمال أوجدكم. وإن كنتم أنتم في شك في هذه الربوبية فربكم هو الله - ولله المثل الأعلى - منزه عن التشبيه، كأن تقول الأم للولد: قال لك أبوك لا تسهر خارج المنزل ليلا، فيتأبى الولد. وتنبه الأم ولدها: إن أباك هو الذي يأتي لك بالأكل والشرب، والملابس ويعطيك مصروف اليد.. إلخ. وقد ضربت هذا المثل لأشرح كيف أن المكلف هو الرزاق ولا أحد سواه يرزق، لذلك كان يجب أن تقبل تكاليفه لأن سبق لك بالفضل بأن أعطى لك وسخر لك الدنيا. ومن قبل فصل الحق سبحانه لنا خلق الإنسان، ويفصل لنا هنا خلق السماء والأرض لأن ظرف وجود الإنسان هو السماء والأرض، وكل الخيرات تأتي له من السماء ومن الأرض، وإذا كان الله قد علمنا كيف خلقنا، فهو هنا يعلمنا كيف خلق السماوات والأرض، وخلق الإنسان وخلق السماوات والأرض مسألتان ينشغل بهما العلم الحديث، فمن العلماء من قال: إن الأرض انفصلت عن الشمس، ومنهم من افترض نظريا أن الإنسان أصله قرد، ولهؤلاء نقول: هذا حكم منكم لا يقبل لأنكم لم تشهدوا الخلق، ولذلك فعليكم أن تسمعوا ممن خلق الخلق ليقول لكم كيف خلق الخلق. هو سبحانه يقول: ﴿ إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي اليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين ﴾ [الأعراف: 54]. والآية تتعرض للخلق الأول وهو السموات والأرض - كما أوضحت - وهو الظرف الوجودي للإنسان الخليفة وطرأ الإنسان على هذا الكون بكل ما فيه من قوى ونواميس، فكأن الله أعد الكون للخليفة قبل أن يخلق الخليفة ليجيء الخليفة فيجد كونا مسخرا له ولا يستطيع أي كائن منه أن يخرج عن مراد الله في شيء ﴿ إن ربكم الله الذي خلق ﴾. ومعنى " خلق " أي أوجد شيئا كان معدوما وبرأه على غير مثال سبقه.

فربنا سبحانه قدر كل شيء بنظام دقيق غير مسبوق، هذا هو معنى الخلق، وكلمة " الخلق " مادتها الفاعلة هي: خالق، وسبحانه وتعالى يجمعها مع أنه الخالق الوحيد فيقول:

فتبارك الله أحسن الخالقين

[المؤمنون: 14]. إذن فهناك الخالق الأعلى وهو الله، ولكنه سبحانه أيضا أشرك خالقا غيره معه فقال جل وعلا: ﴿ فتبارك الله أحسن الخالقين ﴾. كيف؟ لأن الخلق إيجاد شيء معدوم، والذي صنع الميكروفون يقال خلقه، والذي صنع الكوب يقال خلقه، والذي صنع المصباح يقال خلقه، لأنه كان شيئا معدوما بذاته، فأوجده. لكن الفارق أن الخالق من البشر يوجد معدوما من موجود ولا يأتي بمادة جديدة فمن أخذ المواد الموجودة في الكون وصمم منها المصباح وصهر الرمل وفرغ الهواء داخل الزجاج يقال له: خلق المصباح وأوجد معدوما من موجود. لكن الخالق هو خير الخالقين لأنه يخلق من عدم ولم يحرم خلقه حين يوجدون شيئا معدوما من أن يوصف الواحد منهم بأنه خالق، وسبحانه حين خلق خلق من لا شيء، وأيضا فإنكم حين تخلقون أي صنعة تظل جامدة على هيئة صناعتها، فمن صنع الكوب من الرمل المصهور يظل الكوب هكذا، ولا نستطيع - كما سبق أن قلت قديما - أن نأتي بكوب ذكر، وكوب أنثى، ونضعهما معا في مكان ونقول لهما: أنجبا لنا أكوابا صغيرة. لكن ما يخلقه ربنا يعطي له سر الحياة ويجعله بالقانون ينتج غيره وينمو ويكبر. إذن فهو أحسن الخالقين. والله سبحانه وتعالى يعطينا خبر خلقه السماوات والأرض. وأوضح سبحانه أن السماوات سبع وقد جاءت مجموعة. أما الأرض فجاء بها مفردة. لكنه جل وعلا قال في آية أخرى:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٨٠٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٨٠٥