تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

11 - سورة هود

11.1

وتبدأ الآية بحروف توقيفية مقطعة من الحروف التي تبدأ بها بعض سور القرآن الكريم، أي: أن كل حرف من تلك الحروف ينطق بمفرده، والحرف - كما نعلم - له اسم، وله مسمى، ونحن حين نكتب أو نتكلم نكتب أو ننطق بمسمى الحرف لا باسمه. ولكن بعض سور القرآن الكريم تبدأ بحروف نقرأها باسم الحرف، وما عداها ينطق فيها بمسميات الحرف. وإن أردنا معرفة الفارق بينهما، فنحن نقرأ في أول سورة البقرة ونقول: " ألف. لام. ميم " رغم أنها مكتوبة:

الم

[البقرة: 1]. إذن: فنحن ننطقها بمسميات الحروف عكس قراءتنا لقول الحق سبحانه:

ألم نشرح لك صدرك

[الشرح: 1]. ونحن ننطقها بأسماء الحروف.. لماذا؟ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم سمعها هكذا من جبريل عليه السلام، والقرآن أصله سماع، وأنت لا تقرأ قرآنا إلا إذا سمعت قرآنا لتعرف كيف تقرأ الحروف المقطعة بأسماء الحروف، وتقرأ بقية الآيات بمسميات الحروف. وكنا قديما قبل أن نحفظ القرآن " نصحح " اللوح، أي: أن يقرأ الفقيه أولا ليعلمنا كيف نقرأ قبل أن نحفظ. والذي يتعب الناس أنهم يريدون أن يقرأوا القرآن الكريم دون أن يجلسوا إلى فقيه أو دون أن يستمعوا إلى قارىء للقرآن. ونقول لهم: إن القرآن ليس كتابا عاديا نقرأه، إن القرآن كتاب له خاصية مميزة، فصور الحروف تختلف، فمرة ننطق اسم الحرف، ومرة نقرأ مسمى الحرف. وقول الحق سبحانه: ﴿ الر ﴾ في أول سورة هود يجعلنا نلحظ أنه من العجيب في فواتح السور - التي بدأت بهذه الحروف - أن القرآن مبني على الوصل دائما، فأنت لا تأتي إلى آخر الآية وتقف، لا، بل كل القرآن وصل، مثلما نقرأ قول الله سبحانه:

مدهآمتان * فبأي آلاء ربكما تكذبان * فيهما عينان نضاختان

[الرحمن: 64-66]. وإن كان هناك فاصل بين كل آية وغيرها، إلا أن الآيات كلها مبنية على الوصل. وفي آخر سورة يونس يقول الحق سبحانه:

.. وهو خير الحاكمين

[يونس: 109]. فلو لم تكن موصولة لنطقت الحرف الأخير مبنيا على السكون، ولكنك تقرأه منصوبا بالفتحة. وهي موصولة بما بعدها بسم الله الرحمن الرحيم. ومن العجيب أن فواتح السور مع أنها مكونة من حروف مبنية على الوصل إلا أننا نقرأ كل حرف موقوفا، فلا نقول: " ألف لام ميم " بل نقول: " ألف لام ميم ". وكذلك نقرأ في أول سورة مريم " كاف هاء ياء عين صاد " ، ولا نقرأ الحروف بتشكيلها الإعرابي، وهذا يدل على أن لها حكمة لا نعرفها. وفي القرآن الكريم آيات بدئت بحرف واحد مثل قول الحق سبحانه:

ص والقرآن ذي الذكر

[ص: 1]. وقول الحق سبحانه:

ق والقرآن المجيد

[ق: 1]. وقول الحق سبحانه:

ن والقلم وما يسطرون

[القلم: 1]. ونلحظ أن الحرف في هذه السور ليس آية، ولكنك تقرأ قول الحق سبحانه:

حم

[الشورى: 1]. وهي آية، وكذلك تقرأ قول الحق سبحانه:

عسق

[الشوى: 2] كآية مع أنها حروف مقطعة، وتقرأ قول الحق سبحانه:

كهيعص

[مريم: 1] كآية بمفردها. وتقرأ قول الحق سبحانه:

طه

[طه: 1] كآية بمفردها. وكذلك تقرأ قول الحق:

يس

[يس: 1] كآية بأكملها. وتجد أيضا:

المص

[الأعراف: 1] كآية. و

طسم

[الشعراء: 1 والقصص: 1] كآية. وتجد أيضا

المر

[الرعد: 1] ملتحمة بما بعدها في آية واحدة. وتقرأ في أول سورة النمل:

طس

[النمل: 1] ملتحمة بما بعدها في آية واحدة. إذن: فالمسألة لا نسق لها، ومعنى ذلك أن لكل موقف وكل حرف حكمة، والحكمة نجدها حين نتأمل العالم المادي في الحياة، فنفطن إلى عبر الله سبحانه وتعالى في آيات الكون المحسة، ويجد الدليل على صدق الله تعالى فيما لم نعلم. ومثال ذلك: حين ينزل الإنسان في فندق راق فهو يجد لكل غرفة مفتاحا، وهذا المفتاح لا يفتح إلا باب غرفة واحدة، ولكن في كل طابق من طوابق الفندق هناك مفتاح مع المسئول عن الطابق يسمى " سيد المفاتيح " وهو يفتح كل غرف الطابق، وقد صنعوا ذلك حتى لا يفتح كل نزيل غرفة الآخر. ومع التقدم العلمي جعلوا الآن لكل غرفة بطاقة الكترونية، ما إن يدخلها الإنسان من فتحة معينة من باب الغرفة حتى ينفتح الباب، وكل غرفة لها بطاقة معينة، وأيضا يوجد مع مسئول الطابق في الفندق بطاقة واحدة، تفتح كل غرف الطابق. وأنت حين تقرأ فواتح السور فافهم أن كل آية لها مفتاح، وكل حرف في هذه الفواتح قد يشبه المفتاح، وإن لم يكن معك المفتاح ذو الأسنان التي تفتح باب الغرفة فلن تنفتح لك السورة. إذن: فكتاب الله له مفاتيح، ونحن نقرأ حروفا مقطعة على أنها آية، أو نقرأها كجزء من آية. وتقول من قبل القراءة: " أعوذ بالله من الشيطان الرجيم " لتخلص نفسك من الأغيار المناقضة لمنهج قائل القرآن، ثم تضع البطاقة الخاصة مثل قول الحق سبحانه وتعالى:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٥٥٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٥٥٩