41 - سورة فصلت
41.1-2
قلنا: حم من الحروف المقطعة، وقد حام العلماء حول معاني هذه الحروف وهذه المحاولات إرضاء لشهوة البحث في العقل، ولكن الإيمان غير ذلك، فالإيمان يأخذ القضية مسلمة، وما دام الله قد قالها فقد انتهت المسألة. ولذلك سيدنا أبو بكر الصديق ساعة قالوا له: إن صاحبك يدعي أنه فعل كذا وكذا قال: أو قاله رسول الله؟ قالوا: نعم، قال: فقد صدق يعني: هذه مسألة فوق البحث، ولا مجال لإعمال العقل فيها لأن لها رصيدا من الصدق يجعلها فوق البحث. ولقد ذكرنا سابقا خلاصة القول في هذه الحروف، وهذه الحروف هي التي يذكر الله فيها اسم الحرف، لأن كل حرف له اسم وله مسمى، فالألف مثلا اسمه الألف ومسماه أ - أ - إ. الاسم لا ينطق به إلا المتعلم، فالأمي لا يعرف الباء والتاء والثاء، لكنه ينطق بها حين يتكلم. إذن: ينطق الأمي مسمى الحرف، ولا يعرف اسمه بدليل أننا حينما نعلم الأولاد نقول لهم: تهج هذه الكلمة، فيقول: ك ت ب. أما الأمي فينطقها كتب دون أن يعرف حروفها ولا هجاءها. اتفقنا على هذه المسألة. اذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أميا، فما الذي أفهمه أن ح اسمها حاء، و م اسمها ميم، بدليل أنك تقرأ في أول سورة البقرة الم ألف لام ميم. أما في أول الشرح فتقول
ألم نشرح لك صدرك
[الشرح: 1] فلماذا قرأتها في البقرة هكذا، وفي الشرح هكذا؟ أنت قرأت في البقرة اسم الحرف، أما في الشرح فقرأت مسمى الحرف، وهذه لا يفرق بينها إلا متعلم، فمن علم محمدا هذه المسألة، والحروف هي نفس الحروف بنفس الترتيب؟ شيء آخر: أن الحروف المقطعة في القرآن أخذت نصف حروف الهجاء، حروف الهجاء معروف أنها ثمانية وعشرون حرفا، أخذت منها الحروف المقطعة أربعة عشر حرفا موزعة توزيعا عجيبا، وما زال العلماء حائرين في فهم معانيها. ففي الحروف التسعة الأولى لم يذكر منها إلا حرفين: الألف والحاء. وفي الحروف التسعة الأخيرة جاء منها سبعة فقط، ولم يأت حرفان على عكس الأولى، أما العشرة في الوسط فقد أخذ منها غير المنقوط وترك المنقوط، فأخذ السين وترك الشين، وأخذ الصاد وترك الضاد، وأخذ الطاء وترك الظاء، وأخذ العين وترك الغين، إذن: هي مسألة مدروسة ليست رتابة، إنما هي بنظام وحكمة مثل أسنان المفتاح، فهي دقة مقصودة. ثم ترى أنه سبحانه مرة يأتي في أول السورة بحرف واحد مثل: ص، ق. ومرة حرفين مثل: حم، ومرة ثلاثة مثل: الم، ومرة أربعة مثل: المر، وخمسة مثل حمعسق، كهيعص. إذن: المسألة حكمة مقصودة ليست هكذا دون نظام، لها مقصد، مقصد يضع الله فيه حد الخلاف بين الحروف وباقي الكلام، كيف؟ قالوا: الحروف المقطعة تنطقها أسماء، ولا بد أن تقف فيها فلا تقول مثلا: ألف لام ميم هكذا بالوصل.
إنما تقول: ألف وتسكت. لام وتسكت. ميم وتسكت، مع أن القرآن كله في مجمله مبني على الوصل لا على الوقف، تقول في سورة الرحمن:
مدهآمتان
[الرحمن: 64] هكذا بالكسر ليتم الوصل بما بعدها
فبأي آلاء ربكما تكذبان
[الرحمن: 13]. حتى آخر كلمة في القرآن في سورة الناس تقول:
من الجنة والناس
[الناس: 6] لتبدأ بعدها وتوصلها ب
بسم الله الرحمن الرحيم * الحمد لله رب العالمين
[الفاتحة: 1-2]. أما الحروف المقطعة فجاءت مبنية على الوقف، لذلك قال صلى الله عليه وسلم:
" لا أقول الم حرف. ولكن ألف حرف ولام حرف، وميم حرف ".
إذن: في الحروف المقطعة مقاصد وحكم ما يزال العلماء يحاولون التوصل إلى شيء منها، كل حسب ما فتح الله عليه منها، أما هي فكنز باق لا ينفد يعطينا منه الحق سبحانه على قدرنا. يقولون: القرآن جاء معجزة أسلوبية بلاغية، وأمة العرب مشهورة بالفصاحة والبلاغة، ومع ذلك ما استطاعوا محاكاة القرآن ولا الإتيان بمثله، مع أن الله جاء به بلغتهم وبنفس حروفهم وتعبيراتهم، وتحداهم بهذا كله، فلم يستطيعوا الإتيان ولو بآية واحدة من مثله. وكأن الله يقول لهم: معكم نفس الحروف ونفس الكلمات، فلماذا لم تنسجوا منها مثل نسجي؟ إذن: وجه الإعجاز هنا أنه سبحانه وتعالى هو المتكلم بالقرآن، هو الذي صاغه وتكلم به. وأيضا، والمعنى الذي يجب أن يسود في هذا كله، أن الحق سبحانه أنزل لنا عقائد وأحكاما صدرت ممن اعتقدته وآمنت به، وقرآن يدل على ذلك، هذه ثلاثة: العقائد وهي الإيمان بالوجود الأعلى وواجب الوجود، وأن له صفات الكمال المطلقة: الأول والآخر والظاهر والباطن.. إلخ لأن هذه يقام عليها دليل عقلي. فهذا الكون البديع المحكم لا بد له من خالق قادر حكيم عليم.. إلخ.. فالعقل يؤيد هذه العقيدة ويثبتها، لكن ليست هذه كل العقائد، بل هناك سمعيات لا يقوم عليها دليل عقلي لأنها غيبيات كما نقول مثلا: في الجنة كذا وكذا، وصفتها كذا وكذا. ومثلها كذلك عذاب القبر، هذه غيبيات، نعم لا يقوم عليها دليل من العقل، إنما هي محمية فيما له دليل عقلي، فما دمت قد آمنت بهذا الإله، ودلك العقل عليه، فخذ ما أخبرك به دون أن تناقشها، فقط تقف عند سماعها. كذلك الأحكام مثل الصلاة، وأنها إدامة الولاء لله تعالى، والزكاة للاستطراق المالي والاقتصادي في المجتمع، كذلك الحج لبيت الله الحرام. وهكذا. فالأحكام أيضا فيها جانب عقلي وجانب سمعي، فالصلاة كعبادة لله ودليل ولاء للمعبود سبحانه هذا أمر عقلي، أما كيفيتها وعدد ركعاتها فهذا أمر سمعي نأخذه كما هو ولا نناقشه، كذلك كل العبادات.