تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

5 - سورة المائدة

5.1

البداية - إذن - عن ضرورة الوفاء بالعقود وتحليل تناول بهيمة الأنعام كطعام. وسورة المائدة - كما نعلم - جاءت في الترتيب المصحفي بعد سورة النساء التي تتضمن الكثير من العقود الإيمانية فقد تضمنت سورة النساء عقود الإنكاح والصداق والوصية والدين والميراث، وكلها أحكام لعقود، فكأن الحق سبحانه وتعالى من بعد سورة النساء يقول لنا: لقد عرفتم ما في سورة النساء من عقود، فحافظوا عليها وأوفوا بها. ونلحظ أن سورة البقرة جاءت بعدها سورة آل عمران، وفي كلتيهما حديث عن الماديين من اليهود، وسورة النساء والمائدة تواجه أيضا المجتمع المدني بالمدينة بعد أن كان القرآن بمكة يواجه مسألة تربية وغرس العقيدة الإلهية الواحدة والنبوات. وقد خدمت سورة البقرة وسورة آل عمران مسألة العقيدة المنهجية والأنبياء، وسورة النساء تتضمن حسم العقيدة الحكمية. وها نحن أولاء أمام سورة المائدة التي يقول فيها الحق: ﴿ يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ﴾ والحق يخاطب المؤمنين بالاسم الموصول، ولم يقل: " يا أيها المؤمنون " ، وهذا يدل على أن الإيمان ليس أمرا عابرا يمر بالإنسان فترة من الزمن ولكن الإيمان يتجدد بتجدد الفعل حتى ينفذ المؤمن الأحكام التي جاء بها العقد الإيماني. وحين يتوجه الحق بخطابه للذين آمنوا، إنما يؤكد لنا أنه لا يقتحم على أحد حياته ليكلفه، وإن كان سبحانه كرب للعالمين قد خلق الخلق وأوجد الوجود وسخره للخلق. الله - سبحانه وتعالى - لم يستخدم هذا الحق ليأمر البشر بالإيمان، بل دعا الناس جميعا أولا إلى الإيمان، فمن آمن ينزل إليه التشريف بالتكليف ويكون القول الحق: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ أي يا من آمنتم بالله إلها. والإله لابد له من صفات تناسب الألوهية، كطلاقة القدرة والجاه والحكمة والقهر. وسبحانه لا يكلف من لم يؤمن به، بل يدعو من لم يؤمن إلى الإيمان، ولذلك نجد أن كل آيات الأحكام تبدأ بالقول الحق: ﴿ يأيها الذين آمنوا كتب عليكم ﴾ لأن لكل إيمان تبعة. ﴿ يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ﴾ ونعرف أن اللغة بها أسرة ألفاظ ف " أوفوا " على سبيل المثال فيها " وفى ". والمصارع هو " يفي " ، وفي أفعالها " أوفى " و " وفى " ، حسب المراحل المختلفة قوة وضعفا وكثرة وقلة، مثال ذلك قوله الحق:

وإبراهيم الذي وفى

[النجم: 37] وقد قام سيدنا إبراهيم عليه السلام بالكثير من الإنجاز:

وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن

[البقرة: 124] ولا بد أن يكون قوله الحق: ﴿ وإبراهيم الذي وفى ﴾ شرحا لما قام به إبراهيم من مواجهة الابتلاء، فالتوفية هي الإتمام. والحق يقول: ﴿ يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ﴾ أي عليكم يا من آمنتم بالله أن تتموا العقود.

والتمام إما أن ينطلق إلى الأفراد ويشملها فلا ينقص فرد، وإما أن يلتفت إلى الكيفيات فلا تختل كيفية، هذا هو التمام. وقد يأتي إنسان بكل فصول الكتاب ويقرأها، فيكون قد وفى قراءة كل الأجزاء، ولكن الحق يريد أن يتقن الإنسان تنفيذ كل جزئية في كتاب التكليف. وسبحانه طلب منا أن نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأن نقيم الصلاة وأن نؤتي الزكاة وأن نصوم رمضان وأن نحج البيت إن استطعنا إلى ذلك سبيلا، وقد يؤدي شخص كل هذه الأعمال وبذلك يكون قد قام بآداء التكليف، لكن هناك إنسان آخر يؤدي كل جزئية بتمامها فلا يختصر شيئا منها بل إنه يوفيها بلا تدليس. والحق هنا يخاطب المؤمنين: ﴿ يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ﴾ أي أننا أمام " إيمان " و " عقد ". وشرحنا معنى الإيمان، أما العقد فهو العلاقة الموثقة بين طرفين، وعلى كل طرف أن يلتزم بما عليه وأن يأخذ ما له. وسمي العقد عقدا لأن العقد هو الربط، أي شيء لا ينحل من بعد ذلك. ولذلك نسمي ما يستقر في مواجيد الناس ونفوسهم " عقيدة ". لأنها الأمر المعقود، وليس الأمر الطارئ الذي يأتي اليوم وينتهي غدا. والشيء المعقود في نظر الفقه هو الأمر الذي لا يطفو إلى العقل ليبحث من جديد، بل إنه مستقر وثابت في القلب. ويأمر سبحانه بالوفاء بالعقود. والعقود - كما نعلم - هي جمع ل " عقد " وبالإسلام عقود كثيرة، تبدأ بالعقد الأول وهو عقد الذر:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٢٤٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٢٤٤