تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكذلك بعثناهم ليتسآءلوا بينهم قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم قالوا ربكم أعلم بما لبثتم فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيهآ أزكى طعاما فليأتكم برزق منه وليتلطف ولا يشعرن بكم أحدا * إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ولن تفلحوا إذا أبدا

[الكهف: 19-20]. ونلحظ في هذه القصة قوله الحق:

يرجموكم..

[الكهف: 20] هذه واحدة،

أو يعيدوكم في ملتهم ولن تفلحوا إذا أبدا

[الكهف: 20]. إن كانوا يرجمونكم فسينتصرون عليكم في الدنيا، إنما ستأخذون الآخرة، وإن ردوكم إلى دينهم، فلن تفلحوا في الدنيا ولا في الآخرة، إذن فعناصر الفلاح المرادة للإنسان، إما في الدنيا وإما في الآخرة وإما فيهما معا إن عناصر الفلاح أن ننفذ أوامر الله في قوله: ﴿ اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون ﴾ [آل عمران: 200].

4 - سورة النساء

4.1

وساعة يدعو الله سبحانه الناس إلى تقواه يقول: ﴿ يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة.. ﴾ [النساء: 1] ومعنى ﴿ اتقوا ربكم.. ﴾ [النساء: 1] أي اجعلوا بينكم وبينه وقاية، وماذا أفعل لأتقي ربنا؟ أول التقوى أن تؤمن به إلها، وتؤمن أنه إله بعقلك، إنه - سبحانه - يعرض لك القضية العقلية للناس فيقول: ﴿ يأيها الناس اتقوا ربكم.. ﴾ [النساء: 1] ولم يقل: اتقوا الله، لأن الله مفهومه العبادة، فالإله معبود له أوامر وله نواه، لم يصل الحق بالناس لهذه بعد، إنما هم لا يزالون في مرتبة الربوبية، والرب هو: المتولي تربية الشيء، خلقا من عدم وإمدادا من عدم، لكن أليس من حق المتولي خلق الشيء، وتربيته أن يجعل له قانون صيانة؟ إن من حقه ومسئوليته أن يضع للمخلوق قانون صيانة. ونحن نرى الآن أن كل مخترع أو صانع يضع لاختراعه أو للشيء الذي صنعه قانون صيانة، بالله أيخلق سبحانه البشر من عدم وبعد ذلك يتركهم ليتصرفوا كما يشاؤون؟ أم يقول لهم: اعملوا كذا وكذا ولا تعملوا كذا وكذا، لكي تؤدوا مهمتكم فى الحياة؟ إنه يضع دستور الدعوة للإيمان فقال: ﴿ يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم.. ﴾ [النساء: 1]. إذن فالمطلوب منهم أن يتقوا، ومعنى يتقوا أن يقيموا الوقاية لأنفسهم بأن ينفذوا أوامر هذا الرب الإله الذي خلقهم، وبالله أيجعل خلقهم علة إلا إذا كان مشهودا بها له؟ هو سبحانه يقول: ﴿ اتقوا ربكم الذي خلقكم.. ﴾ [النساء: 1] كأن خلقة ربنا لنا مشهود بها، وإلا لو كان مشكوكا فيها لقلنا له: إنك لم تخلقنا - ولله المثل الأعلى. أنت تسمع من يقول لك: أحسن مع فلان الذي صنع لك كذا وكذا، فأنت مقر بأنه صنع أم لا؟ فإذا أقررت بأنه صنع ما صنع فأنت تستجيب لمن يقول لك مثل ذلك الكلام. إذن فقول الله: ﴿ يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم.. ﴾ [النساء: 1] فكأن خلق الله للناس ليس محل جدال ولا شك من أحد، فأراد - سبحانه - أن يجذبنا إليه ويأخذنا إلى جنابه بالشيء الذي نؤمن به جميعا وهو أنه - سبحانه - خلقنا إلى الشيء الذي يريده وهو أن نتلقى من الله ما يقينا من صفات جلاله، وجاء سبحانه بكلمة " رب " ولم يقل: " اتقوا الله " لأن مفهوم الرب هو الذي خلق من عدم وأمد من عدم، وتعهد وهو المربي ويبلغ بالإنسان مرتبة الكمال الذي يراد منه وهو الذي خلق كل الكون فأحسن الخلق والصنع، ولذلك يقول الحق:

ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله فأنى يؤفكون

[العنكبوت: 61]. إذن فقضية الخلق قضية مستقرة. وما دامت قضية مستقرة فمعناها: ما دمتم آمنتم بأني خالقكم فلي قدرة إذن، هذه واحدة، وربيتكم إذن فلي حكمة، وإله له قدرة وله حكمة، إما أن نخاف من قدرته فنرهبه وإما أن نشكر حكمته فنقر به، ﴿ يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة.. ﴾ [النساء: 1]. لو لم يقل الحق: ﴿ وجعل منها زوجها.. ﴾ [النساء: 1] لما كملت، لماذا؟ لأنه سيقول في آيات آخرى عن الإيجاد:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٨٤٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٨٤٩