34 - سورة سبإ
34.1
﴿ الحمد لله.. ﴾ [سبأ: 1] جملة قائلها الحق سبحانه، فهل قالها لنفسه أم قالها ليعلمنا نحن أن نقولها؟ قالها ليعلمنا. والحمد أن تأتي بثناء على مستحق الثناء بالصفات الجميلة. ومقابله: الذم، وهو أن تأتي لمستحق الذم بالصفات القبيحة، وتنسبها إليه. وأنت قد تحمد شيئا لا علاقة لك به، لمجرد أنه أعجبك ما فيه من صفات، فاستحق في نظرك أن يحمد، كأن تحمد الصانع على صنعة أتقنها مثلا، وإن لم تكن لك علاقة بها. إذن: فالحمد مرة يكون لأن المحمود فيه صفات تستحق الحمد، وإن لم تصل إليك، فكيف إذا كانت صفات التحميد والتمجيد والتعظيم أثرها واصل إليك؟ لا شك أن الحمد هنا أوجب. لذلك نقول: كل حمد ولو توجه لبشر عائد في الحقيقة إلى الله تعالى لأنك حين تحمد إنسانا إنما تحمده على صفة وهبها الله له، فالحمد على إطلاقه ولو لمخلوق حمد لله. وكلمة ﴿ الحمد لله.. ﴾ [سبأ: 1] وردت في القرآن ثمان وثلاثون مرة، وخصت منها في فواتح السور خمس مرات: في الفاتحة: والأنعام، والكهف، وسبأ، وفاطر. والحق سبحانه بدأ بالحمد لأنه بدأ خلقه من عدم فله علينا نعمة الخلق من عدم، ثم أمدنا بمقومات الحياة فوفر لنا الأقوات التي بها استبقاء الحياة، ثم التناسل الذي به استبقاء النوع، هذا لكيان الإنسان المادي، لكن الإنسان مطلوب منه حركة الحياة، وهو يعيش مع آخرين فلا بد أن تتساند حركاتهم لا تتعاند، لا بد أن تنسجم الحركات وإلا لتفانى الخلق. وهذا التساند لا يتأتى إلا بمنهج يحدد الحركات، ويحكم الأهواء، وإلا لجاء واحد يبني، وآخر يهدم. هذا في الدنيا، أما في الحياة الآخرة فسوف يعدنا لها إعدادا آخر، ويعيدنا إلى خير مما كنا فيه لأننا نعيش في الدنيا بالأسباب المخلوقة لله تعالى، أما في الأخرة فنعيش مع المسبب سبحانه مع ذات الحق. نحن في الدنيا نزرع ونحصد ونطبخ ونخبز ونغزل.. إلخ، هذه أسباب لا بد من مزاولتها، لكنك في الآخرة تعيش بكن من المسبب، في الدنيا تخاف أن يفوتك النعيم أو تفوته أنت، أما في الآخرة فنعيمها باق لا يزول ولا يحول، في الدنيا تتمتع على قدر إمكاناتك، أما في الآخرة فتتمتع على قدر إمكانات ربك. فالحق سبحانه أوجدنا من عدم، وأمدنا من عدم، ووضع لنا المنهج الذي يحفظ القيم، وينظم حركة الحياة قبل أن توجد الحياة، فقبل أن يخلقك خلق لك كالصانع الذي يحدد مهمة صنعته قبل صناعتها، وهل رأيتم صانعا صنع شيئا، ثم قال: انظروا في أي شيء يمكن أن يستخدم؟ لذلك قال تعالى:
الرحمن * علم القرآن * خلق الإنسان * علمه البيان
[الرحمن: 1-4] فالمنهج المتمثل في القرآن وضع أولا ليحدد لك مهمتك وقانون صيانتك، قبل أن توجد أيها الإنسان. والمتأمل لآيات الحمد في بدايات السور الخمس يجد أنها تتناول هذه المراحل كلها، ففي أول الأنعام:
الحمد لله الذي خلق السموت والأرض وجعل الظلمت والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون
[الأنعام: 1]. تكلم الحق سبحانه عن بدء الخلق، ثم قال:
هو الذي خلقكم من طين..
[الأنعام: 2] وهذا هو الإيجاد الأول. ثم في أول الكهف يذكر مسألة وضع المنهج والقيم:
الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا
[الكهف: 1]. هذا هو القانون الذي يحكم الأهواء، وينظم حركة الحياة لتتساند ولا تتعاند. وفي أول سورة سبأ التي نحن بصددها يذكر الحمد في الآخرة: ﴿ الحمد لله الذي له ما في السموت وما في الأرض وله الحمد في الآخرة.. ﴾ [سبأ: 1] وحين تنظر إلى الحمد في الآخرة تجده حمدا مركبا مضاعفا لأنك في الدنيا تحمد الله على خلق الأشياء التي تتفاعل بها لتعيش بالأسباب، لكن في الآخرة لا توجد أسباب، إنما المسبب هو الله سبحانه، فالحمد في الآخرة أكبر حمدا يناسب عيشك مع ذات ربك سبحانه. وفي أول فاطر: