7.16
والإغواء. إغراء بالمعصية، ومن الإغواء الغي وهو: الإهلاك، ويقول الحق سبحانه وتعالى:
فسوف يلقون غيا
[مريم: 59]. وحين نقرأ ﴿ فبمآ أغويتني ﴾ أي فبإغوائك يا الله لي سأفعل كذا وكذا، وبذلك يكون قد نسب الإغواء لله. لكن هل يغوي ربنا أو يهدي؟. إن الله يهدي دلالة وتمكينا، وسبق أن تكلمنا كثيرا عن هداية الدلالة ودلالة التمكين، وسبحانه خلق الشيطان مختارا، ولم يخلقه مرغما ومسخرا كالملائكة، ولأنه قد خلق مختارا فقد أعطاه فرصة أن يطيع وأن يعصي، وكأن الشيطان بقوله هذا يتمنى لو أنه قد خلق مقهورا. ويقول إن الله هو الذي أعطاه سبب العصيان. ولم يلتفت إلى أن الاختيار إنما هو فرصة لا للغواية فقط، ولكنه فرصة للهداية أيضا. وأنت أيها الشيطان الذي اخترت الغواية. إذن فقول الشيطان: ﴿ فبمآ أغويتني ﴾ إنما يريد به الشيطان: أن يدخل بمعصيته على الله، ونقول له: لا، إن ربنا لم يغو لأن الحق سبحانه وتعالى لا يغوي وإنما يهدي لأن الله لو خلقه مرغما مقهورا ما أعطاه فرصة أن يختار كذا أو يختار كذا فقد خلقه على هيئة " افعل " و " لا تفعل " ، واختار هو ألا يفعل إلا المعصية. ﴿ قال فبمآ أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم ﴾ [الأعراف: 16]. والمفهوم من العبارة أنهم بنو آدم، والقعود لون من ألوان حركة الجسم الفاعل لأن المتحرك إما أن يكون قائما، وإما أن يكون قاعدا، وإما أن يكون مضجعا نائما. وأريح الحالات أن يكون نائما مضجعا لأن الجسم في هذه الحالة يكون مستريحا بفعل الجاذبية الأرضية، وحين يكون الإنسان قاعدا تقاومه الجاذبية قليلا، وحين يكون واقفا فهو يحمل جسمه على قدميه، ولذلك نقول لمن وقف طويلا على قدميه: " اقعد حتى ترتاح " ولو قعد وكان متعبا فيقال له: " اضطجع قليلا لترتاح ". ولماذا اختار الشيطان أن يقول: ﴿ لأقعدن ﴾؟ حتى يكون مطمئنا، فقد يتعب من الوقفة، أيضا وهو في حالة القعود يكون منتبها متيقظا، والحق يقول:
واقعدوا لهم كل مرصد..
[التوبة: 5]. ولم يقل: " قفوا " حتى لا يرهق الناس أنفسهم بالوقوف الطويل، ولكن ساعة يواجهون الأمر فعليهم بالنهوض. والقعود أقرب إلى الوقوف، لأن الاضطجاع أقرب إلى التراخي والنوم، وقد اختار الشيطان الموقف الذي يحفظ له قوته، ويبقى له انتباهه: ﴿ لأقعدن لهم صراطك المستقيم ﴾. وما دام الشيطان سيغوي، وسيضل الغير، فسيختار للغواية من يكون في طريق الهداية. إنما من غوى باختياره وضل بطبيعته فالشيطان قد استراح من ناحيته ولا يريده، وتلك ظاهرة تحدث للناس حينما يجدون ويجتهدون في الطاعة فالشاب الطائع الملتزم يحاول الشيطان أن يخايله ليصرفه عن الصلاة والطاعة لأن الشيطان يتلصص على دين الإنسان، فهو كاللص، واللص لا يحوم حول بيت خرب.
إنما يحوم اللص حول بيت عامر بالخير. إننا نلاحظ هذه المسألة في كل الناس حينما يأتون للصلاة فيقول الواحد منهم: حينما أصلي يأتي له الوسواس، ويشككني في الصلاة، نقول له: نعم هذا صحيح، وحين يأتي لك هذا الوسواس فاعتبره ظاهرة صحية في الإيمان لأن معناه أن الشيطان عارف أن عملك مقبول، ولذلك يحاول أن يفسد عليك الطاعة لأنك لو كنت فاسدا من البداية، ووقفت للصلاة دون وضوء لما جاءك الوسواس. لكن الشيطان يريد أن يفسد عليك الطاعة ولذلك يقول الله:
وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله..
[الأعراف: 200]. لماذا؟. لأن الله خلقك وخلقه، وإن كنت لا تستطيع دفعه لأنه يجري منك مجرى الدم في العروق وينفذ إليك بالخواطر والمواجيد التي لا تضبطها ويأتي إليك بمهام الأشياء في وقت الصلاة فتتذكر الأشياء التي لم تكن تتذكرها، ويأتي لك بأعقد المسائل وأنت تصلي وكل ذلك لأنه قال: ﴿ لأقعدن لهم صراطك المستقيم ﴾ ، ولم يقل إنه سيقعد على الطريق المنحرف، ولن يجلس الشيطان في مجلس خمر، لكنه يقعد على أبواب المساجد أو في المساجد ليفسد للناس أعمالهم الصالحة. فماذا نفعل في هذه الحال؟. يدلنا الحق سبحانه أن نستعيذ: