7.5
بهذا القول اتضحت المسألة، ومن قوله ﴿ دعواهم ﴾ نفهم أن المسألة ادعاء. ونحن نقول: فلان ادعى دعوى على فلان، فإما أن يقيم بينة ليثبت دعواه، وإما ألا يقيم. والدعوى تطلق أيضا على الدعاء:
وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين
[يونس: 10]. وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ فما كان دعواهم إذ جآءهم بأسنآ إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين ﴾ [الأعراف: 5]. ويشرح ربنا هذا الأمر في آيات كثيرة، إنه اعتراف منهم باقترافهم الظلم وقيامهم عليه، فسبحانه القائل:
وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير * فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحاب السعير
[الملك: 10-11]. ويقول الحق بعد ذلك: ﴿ فلنسألن الذين أرسل... ﴾.
7.6
والحق يسأل الرسل بعد أن يجمعهم عن مدى تصديق أقوامهم لهم، والسؤال إنما يأتي للإقرار، ومسألة السؤال وردت في القرآن بأساليب ظاهر أمرها أنها متعارضة، والحقيقة أن جهاتها منفكة، وهذا ما جعل خصوم القرآن يدعون أن القرآن فيه تضارب. فالحق سبحانه يقول:
فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتسآءلون
[المؤمنون: 101]. ويقول سبحانه أيضا:
ولا يسأل حميم حميما
[المعارج: 10]. ويقول جل وعلا:
ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون
[القصص: 78]. ويقول سبحانه وتعالى:
فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جآن
[الرحمن: 39]. ثم يقول هنا: ﴿ فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين ﴾ [الأعراف: 6]. وهذا ما يجعل بعض المستشرقين يندفعون إلى محاولة إظهار أن بالقرآن - والعياذ بالله - متناقضات. ونقول لكل منهم: أنت تأخذ القرآن بغير ملكة البيان في اللغة، ولو أنك نظرت إلى أن القرآن قد استقبله قوم لسانهم عربي، وهم باقون على كفرهم فلا يمكن أن يقال إنهم كانوا يجاملون، ولو أنهم وجدوا هذا التناقض، أما كانوا يستطيعون أن يردوا دعوى محمد فيقولوا: أيكون القرآن معجزا وهو متعارض؟! لكن الكفار لم يقولوها، مما يدل على أن ملكاتهم استقبلت القرآن بما يريده قائل القرآن. وفي أعرافنا نورد السؤال مرتين فمرة يسأل التلميذ أستاذه ليعلم، ومرة يسأل الأستاذ تلميذه ليقرر. إذن فالسؤال يأتي لشيئين اثنين: إما أن تسأل لتتعلم، وهذا هو الاستفهام، وإما أن تسأل لتقرر حتى تصبح الحجة ألزم للمسئول، فإذا كان الله سيسأله، أي يسأله سؤال إقرار ليكون أبلغ في الاحتجاج عليه، وبعد ذلك يقولون:
وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير * فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحاب السعير
[الملك: 10-11]. وهذا اعتراف وإقرار منهم وهما سيدا الأدلة لأن كلام المقابل إنما يكون شهادة، ولكن كلام المقر هو إقرار اعتراف. إذن إذا ورد إثبات السؤال فإنه سؤال التقرير من الله لتكون شهادة منهم على أنفسهم، وهذا دليل أبلغ للحجة وقطع للسبل على الإنكار. فإما أن يقر الإنسان، وإن لم يقر فستقول أبعاضه لأن الإرادة انفكت عنها، ولم يعد للإنسان قهر عليها، مصداقا لقوله الحق:
وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء..
[فصلت: 21]. والحق هنا يقول: ﴿ فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين ﴾. وهو سؤال للإقرار. قال الله عنه:
يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذآ أجبتم..
[المائدة: 109]. وحين يسأل الحق المرسلين، وهم قد أدوا رسالتهم فيكون ذلك تقريعا للمرسل إليهم. ويقول الحق بعد ذلك: ﴿ فلنقصن عليهم بعلم... ﴾.