تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

7.59

بعد أن تكلم الحق سبحانه وتعالى عن الطائعين وعن العاصين في الدنيا، وتكلم عن مواقف الآخرة الجزائية في أصحاب الجنة، وأصحاب النار والأعراف أراد أن يبين بعد ذلك أن كل دعوة من دعوات الله سبحانه لأهل الأرض لا بد أن تلقي عنتا وتضييقا، وتلقى إعراضا، وتلقى إيذاء، إنه - سبحانه - يريد بذلك أن يعطي المناعة لرسوله صلى الله عليه وسلم، فيوضح له: لست أنت بدعا من الرسل لأن كل رسول جاء إلى قومه قوبل بالاضطهاد، وقوبل بالتكذيب، وقوبل بالنكران، وقوبل بالإيذاء، وإذا كان كان كل رسول قد أخذ من هذا على قدر مهمته الرسالية زمانا محدودا، ومكانا محصورا فأنت يا رسول الله أخذت الدنيا كلها زمانا ومكانا، فلا بد أن تكون مواجها لمصاعب تناسب مهمتك ورسالتك فأنت في قمة الرسل، وستكون الإيذاءات التي تنالك وتصيبك قمة في الإيذاء، فلست بدعا من الرسل، فوطن نفسك على ذلك. وحين توطن نفسك على ذلك ستلقى كل إيذاء وكل اضطهاد بصبر واحتمال في الله، وقص الحق قصص الرسل على رسول الله، وعبر الله بالهدف من قص القصص بقول:

وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك..

[هود: 120]. فكأن القصص تثبيت لفؤاده صلى الله عليه وسلم، فكلما أهاجه نكران، أو كلما أهاجه جحود، قص عليه الحق - سبحانه - قصة رسول قوبل بالنكران وقوبل بالجحود ليثبت به فؤاده صلى الله عليه وسلم وفؤاد أتباعه لعلهم يعرفون كل شيء ويوطنون أنفسهم على هذا العنت فلم يقل الحق لأتباع محمد: إنكم مقبلون على أمر والأرض مفروشة لكم بالورود، لا. إنما هي متاعب لتجابهوا شر الشيطان في الأرض. والقصص له أكثر من هدى يثبت به فؤاد الرسول صلى الله عليه وسلم ويبين له أنه ليس بدعا من الرسل، ويقوي نفوس أتباعه لأنهم حينما يرون أن أهل الحق مع الأنبياء انتصروا، وهزم الجمع وولى الدبر، وأنهم منصورون دائما فهذا يقوي يقين المؤمنين، ويكسر من جهة أخرى نفوس الكافرين مثلما قال الحق عن واحد من أكابر قريش.

سنسمه على الخرطوم

[القلم: 16]. قال الحق لهم ذلك عن واحد من أكابر قريش وهم لا يقدرون حينئذ أن يدافعوا أو يذودوا عن أنفسهم، وذهبوا وهاجروا إلى الحبشة حماية لأنفسهم من بطش هؤلاء الأكابر، وكل مؤمن يبحث له عمن يحميه، وينزل قوله الحق بعد ذلك في الوليد بن المغيرة ﴿ سنسمه على الخرطوم ﴾ ، والوليد بن المغيرة سيد في قومه، ويأتي يوم بدر فيوجد أنفه وقد ضرب وخطم ويتحقق قول الله:

سنسمه على الخرطوم

[القلم: 16]. فمن - إذن - يحدد ضربة قتال بسيف في يد مقاتل قبل أن يبدأ القتال؟ لقد حددها الأعلم بما يكون عليه الأمر.

وأيضا فقصص الرسل إنما جيء بها ليثبت للمعاصرين له أنه تلقى القرآن من الله لأنه رسول أمي والأمة أمية، ولم يدع أحد من خصومه أنه جلس إلى معلم، أو قرأ كتابا، فمن أين جاءته هذه الأخبار إذن؟ واسمع قول الحق سبحانه وتعالى في الآيات التي يأتي فيها: " ما كنت " مثل قوله الحق:

وما كنت بجانب الغربي إذ قضينآ إلى موسى الأمر..

[القصص: 44]. ومثل قوله الحق:

وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون

[العنكبوت: 48]. ومثل قوله:

وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم..

[آل عمران: 44]. فمن أين جاءت هذه الأخبار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يعلمون أنه لم يجلس إلى معلم ولم يقرأ كتابا؟ لقد جاءت كلها من الحق سبحانه وتعالى، وهذا دليل آخر على صدق رسالته. وقصة سيدنا نوح من القصص التي وردت كثيرا في القرآن الكريم مثل قصة موسى عليه السلام، ومن العجيب أن لقطات القصة تنتشر في بعض السور، لكن السورة التي سميت بسورة نوح ليس فيها من المواقف التي تعتبر من عيون القصة، إنها تعالج لقطات أخرى تعالج إلحاحه في دعوة قومه، وأنه ما قصر في دعوتهم ليلا ونهارا، وسرا وعلانية، كلما دعاهم ابتعدوا، ولم تأت قصة المركب في سورة نوح، ولا قصة الطوفان، وهذه لقطات من عيون القصة، وكذلك لم تأت فيها قصته مع ابنه، بل جاء بها في سورة هود. إذن كل لقطة جاءت لوضع مقصود، ولهذا رأينا قصة نوح في سورة " نوح " وقد خلت من عناصر مهمة في القصة، وجاءت هذه العناصر في سورة " هود " أو في سورة " الأعراف " التي نتناولها الآن بالخواطر الإيمانية. إذن، كل قصة من القصص القرآني تجدها قد جاءت تخدم فكرة، ومجموعها يعطي كل القصة لأن الحق حين يورد القصص فهو يأتي بلقطة في سورة لتخدم موقفا، ولقطة أخرى تخدم موقفا آخر وهكذا. وحين شاء أن يرسل لنا قصة محبوكة تماما، جاء بقصة " يوسف " في سورة يوسف ولم يكررها في القرآن، لأنها مستوفية في سورة يوسف، اللهم إلا في آية واحدة:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٨١٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٨١٦