24 - سورة النور
24.1
اسمها سورة النور، وإذا استقرأنا موضوع المسمى أو المعنون له بسورة النور تجد النور شائعا في كل أعطافها - لا أقول آياتها ولا أقول كلماتها - ولكن النور شائع في كل حروفها، لماذا؟ قالوا: لأن النور من الألفاظ التي يدل عليها نطقها ويعرفها أكثر من أي تعريف آخر، فالناس تعرف النور بمجرد نطق هذه الكلمة، والنور لا يعرف إلا بحقيقة ما يؤديه، وهو ما تتضح به المرئيات، وتتجلى به الكائنات، فلولا هذا النور ما كنا نرى شيئا. إذن: يعرف النور بخاصيته، وهو الذي يجعل لك قدرة على أن ترى المرئيات، بدليل أنها إن كانت في ظلمة لا تراها. إذن: فالنور لا يرى، ولكن نرى به الأشياء، فالله تعالى نور السماوات والأرض ينورهما لنا، لكن لا نراه سبحانه. لكن، هل كل الأشياء مرائي؟ أليس منها المسموع والمشموم والمتذوق؟ قالوا: نعم، لكن الدليل الأول على كل هذه وفعل الحوادث هي المرئيات؟ لأن كل أدلة الكون مرئية نراها أولا، ثم حين تسمع، وحين تشم، وحين تلمس، وحين تميز الثقيل من الخفيف، أو القريب من البعيد. فهذا كله فرع ما يوجد فيك، بعد ما تؤمن أن الله الذي أوجدك هو الذي أوجد لك كل شيء، فإذا ما نظرت إلى النور وجدت النور أمرا حسيا ترى به الأشياء. وكانوا في الماضي يعتقدون أن الإنسان يبصر الأشياء بشعاع يخرج من العين، فيسقط على الشيء فتراه، إلى أن جاء العالم الإسلامي الحسن بن الهيثم، وأبطل هذه النظرية وقال: إن الشعاع يأتي من المرئي إلى العين فتراه، وليس العكس، واستدل على ذلك بأن الشيء إن كان في الظلام لا نراه، ونحن في النور، فلو أن الشعاع يخرج منك لرأيته. وفي ضوء هذه النظرية فهمنا قوله تعالى:
وجعلنآ آية النهار مبصرة..
[الإسراء: 12] فهي مبصرة لأن الشعاع يأتي من هناك، فكأنها هي التي ترى. لكن، ما نفع هذا النور الحسي للإنسان الخليفة في الأرض؟ أنت حين ترى الأشياء تتعامل معها تعاملا يعطيك خيرها ويكف عنك شرها، ولو لم تر الأشياء ما أمكنك التعامل معها، وإلا فكيف تسير في مكان مظلم فيه ما يؤذيك مثل الثعابين أو زجاج متكسر؟ إذن: لا تستطيع أن تهتدي إلى مواضع قدمك، وتأخذ خير الأشياء، وتتجنب شرها إلا بالنور الحسي، كذلك إن سرت في ظلمة وعلى غير هدى، فلا بد أن تصطدم بأقوى منك فيحطمك، أو بأضعف منك فتحطمه. لذلك سمى الحق - تبارك وتعالى - المنهج الذي يهديك في دروب الحياة نورا. والناس حين لا يوجد النور الرباني الإلهي يصنعون لأنفسهم أنوارا على قدر إمكاناتهم وبيئاتهم بداية من المسرجة ولمبة الجاز، وكان الناس يتفاوتون حتى في هذه - حتى عصر الكهرباء والفلوروسنت والنيون وخلافه من وسائل الإضاءة التي يتفاوت فيها الناس تفاوتا كبيرا، هذا في الليل، فإذا ما أشرقت الشمس أطفأ الجميع أنوارهم ومصابيحهم، لماذا؟ لأن مصباح الله قد ظهر واستوى فيه الجميع لا يتميز فيه أحد عن أحد.
وكذلك النور المعنوي نور المنهج الذي يهديك إن كان لله فيه توجيه، فأطفىء مصابيح توجيه البشر لا يصح أن تستضيء بنور ونور ربك موجود، بل عليك أن تبادر وتأخذ ما تقدر عليه من نور ربك، فكما أخذت نور الله الحسي فألغيت به كل الأنوار، فخذ نور الله في القيم، خذ نور الله في الأخلاق وفي المعاملات وفي السلوك يغنيك هذا عن أي نور من أنوار البشر ومناهجهم. ألا ترى النمرود كيف بهت حينما قطع عليه إبراهيم - عليه السلام - جدله وألجأه إلى الحجة التي لا يستطيع الفكاك منها، حين قال له:
فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب..
[البقرة: 258]. والحق - تبارك وتعالى - يفيض من أنواره وصفات كماله على خلقه الذين جعلهم خلفاء له سبحانه في الأرض، فقال:
إني جاعل في الأرض خليفة..