تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

7.29

والقسط هو العدل من قسط قسطا، وأما قاسط فهي اسم فاعل من قسط قسطا وقسوطا أي جار وعدل عن الحق، والقاسطون هم المنحرفون والمائلون عن الحق والظالمون، وكلمة العدل هي التسوية، فإن ملت إلى الحق، فذلك العدل المحبوب. وإن ملت إلى الباطل، فذلك أكره مكروه ﴿ قل أمر ربي بالقسط ﴾. وهذه جملة خبرية. ﴿ وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد.. ﴾ [الأعراف: 29]. وهذا فعل أمر، وقد يتبادر إلى الذهن إن هذا من عطف الأمر على الخبر، ولكن لنلتفت أن الحق يعطفها على " قل " ، فكأن المقصود هو أن يقول: ﴿ قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد ﴾. والوجه هو السمة المعينة للشخص لأن الإنسان إن أخفى وجهه لن تعرفه إلا إن كان له لباس مميز لا يرتديه الا هو. والوجه أشرف شيء في التكوين الجسمي، ولذلك كان السجود هو وضع الوجه في الأرض، وهذا منتهى الخضوع لأمر الله بالسجود لأن السجود من الفاعل المختار وهو الإنسان يكون بوضع الجبهة على الأرض. وكل شيء خاضع لحكم الله نقول عنه: إنه ساجد.

ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدوآب

[الحج: 18]. والشجر يسجد وهو نبات، والدواب تسجد وهي من جنس الحيوان، والشمس والقمر والنجوم والجبال من الجماد وهي أيضا ساجدة، لكن حين جاء الحديث عن الإنسان قسمها سبحانه وقال:

وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب..

[الحج: 18]. لأن الإنسان له خاصية الاختيار، وبقية الكائنات ليس لها اختيار. إذن فالسجود قد يكون لغير ذي وجه، والمراد منه مجرد الخضوع، أما الإنسان فالسجود يكون بالوجه ليعرف أنه مستخلف وكل الكائنات مسخرة لخدمته وطائعة وكلها تسبح ربنا، فإذا كان السيد الذي تخدمه كل هذه الأجناس حيوانا، ونباتا، وجمادا قد وضع وجهه على الأرض فهو خاضع من أول الأمر حين نقول عنه إنه ساجد. ﴿ وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد.. ﴾ [الأعراف: 29]. والإقامة أن تضع الشيء فيما هيىء له وخلق وطلب منه، وإن وجهته لناحية ثانية تكون قد ثنيته وأملته وحنيته، وعوجته. إذن فإقامة الوجه تكون بالسجود لأن الذي سخر لك هذا الوجود وحكمك بمنهج التكليف هو من جعلت وجهك في الأرض من أجله، وإن لم تفعل ذلك فأنت تختار الاعوجاج لوجهك، واعلم أن هذا الخضوع والخشوع والسجود لله لن يعطيك فقط السيادة على الأجناس الأخرى التي تعطيك خير الدنيا، ولكن وضع جبهتك ووجهك على الأرض يعطيك البركة في العمل ويعطيك خير الآخرة أيضا. والعاقل هو من يعرف أنه أخذ السيادة على الأجناس فيتقن العبودية لله، فيأخذ خيري الدنيا والآخرة حيث لا يفوته فيها النعيم ولا يفوت هو النعيم، أما في الدنيا فأنت تقبل عليها باستخلاف وتعلم أنك قد يفوتك النعيم، أو تفوت أنت النعيم، وحين تتذكر الله وتكون خاضعا لله فأنت تنال البركة في حركة الاستخلاف.

﴿ وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد.. ﴾ [الأعراف: 29]. والمسجد مكان السجود، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم:

" فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب وأحلت لي الغنائم وجعلت لي الأرض طهورا ومسجدا، وأرسلت إلى الخلق كافة وختم بي النبيون ".

إذن فكل موضع في الأرض مسجد فإن دخلت معبدا لتصلي فهذا مسجد. والأرض كلها مسجد لك. يصح أن تسجد وتصلي فيها. وتزاول فيها عملك أيضا، ففي المصنع تزاول صنعتك فيه، وحين يأتي وقت الصلاة تصلي، وكذلك الحقل تصلي فيه، لكن المسجد الاصطلاحي هو المكان الذي حبس على المسجدية وقصر عليها، ولا يزاول فيه شيء آخر. فإن أخذت المسجد على أن الأرض مسجد كلها تكن ﴿ وأقيموا وجوهكم ﴾ في جميع أنحاء الأرض. وإن أخذتها على المسجد، فالمقصود إقامة الصلاة في المكان المخصوص، وله متجه وهو الكعبة. وكذلك يكون اتجاهك وأنت تصلي في أي مكان. والمساجد نسميها بيوت الله ولكن باختيار خلق الله، فبعضنا يبني مسجدا هنا أو هناك. ويتجهون إلى بيت باختيار الله وهو الكعبة. ولذلك كانت كعبة ومتوجها لجميع بيوت الله. وقصارى الأمر أن نجعل قبلة المسجد متجهة إلى الكعبة وأن نقيم الوجه عليها، أي على الوجه الذي تستقيم فيه العبادة. وهو أن تتجهوا وأنتم في صلاتكم إلى الكعبة فهي بيت الله باختيار الله. وساعة ما تصادفك الصلاة صل في أي مسجد، أو ﴿ أقيموا وجوهكم عند كل مسجد ﴾ يقصد بها التوجه للصلاة في المسجد، وهنا اختلف العلماء، هل أداء الصلاة وإقامتها في المسجد ندبا أو حتما؟. والأكثرية منهم قالوا ندبا، والأقلية قالوا حتما. ونقول: الحتمية لا دليل عليها. من قال بحتمية الصلاة في المسجد استدل بقوله صلى الله عليه وسلم:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٧٨٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٧٨٠