تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

7.45

والذي يصد عن سبيل الله هو من امتنع عن سبيل الله، وصد غيره، أي ضل في ذاته ثم أضل غيره، وهؤلاء هم الذين يطلبون منهج الله معوجا، ويذمونه ولا يؤمنون به فيعترضون على إقامة الحدود والقصاص، وينفرون الناس عن منهج الله لينصرف الناس عن الدين. هم إذن قد صدوا عن سبيل الله وطلبوا العوج فيما شرع الله لينفروا الناس عما شرع الله، ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل هم بالآخرة كافرون، ولو كان الواحد منهم مؤمنا بالآخرة ويعلم أن له مرجعا ومردا إلى الله لما فعل ذلك. ويقول سبحانه من بعد ذلك: ﴿ وبينهما حجاب وعلى الأعراف... ﴾.

7.46

الحجاب موجود بين أصحاب الجنة وأصحاب النار، وهم يتراءون من خلاله، وبينه الحق سبحانه فقال:

يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا ورآءكم فالتمسوا نورا فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب

[الحديد: 13]. باطن هذا الحجاب الرحمة من ناحية أهل الجنة، وظاهره المواجه لأهل النار فيه العذاب، والحق هو القادر على كل شيء لذلك لا ينال أهل الجنة شيء من شقاء أهل النار، ولا ينال أهل النار شيء من نعيم أهل الجنة، ويسمع أهل النار ردا على طمعهم في أن ينالهم بعض من نور أهل الجنة، إنكم تلتمسون الهدى في غير موطن الهدى فزمن التكليف قد انتهى، ومن كان يرغب في نور الآخرة كان عليه أن يعمل من أجله في الدنيا، فهذا النور ليس هبة من خلق لخلق، وإنما هو هبة من خالق لمخلوق آمن به. وأنتم تقولون: انظرونا نقتبس من نوركم، وليس في مقدور أهل الجنة أن يعطوا شيئا من نور أهل الجنة فالعطاء حينئذ لله. ﴿ وبينهما حجاب وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم.. ﴾ [الأعراف: 46]. و ﴿ كلا ﴾ المعني بها أصحاب الجنة وأصحاب النار، فقد تقدم عندنا فريقان أصحاب الجنة، وأصحاب النار وهناك فريق ثالث هم الذين على الأعراف، و " الأعراف " جمع " عرف " مأخوذ من عرف الديك وهو أعلى شيء فيه، وكذلك عرف الفرس. كأن بين الجنة مكانا مرتفعا كالعرف يقف عليه أناس يعرفون أصحاب النار بسيماهم، ويعرفون أصحاب الجنة بسيماهم، فكأن من ضمن السمات والعلامات ما يميز أهل النار عن أهل الجنة. وكيف توجد هذه السمات؟ يقال إن الإنسان ساعة يؤمن يصير أهلا لاستقبال سمات الإيمان، وكلما دخل في منهج الله طاعة واستجابة أعطاه الله سمة جمالية تصير أصيلة فيه تلازمه ولا تفارقه. وبالعكس من ذلك أصحاب النار فتبتعد عنهم سمات الجلال والجمال وتحل محلها سمات القبح والشناعة والبشاعة. وإذا ما رأى أهل الأعراف أصحاب الجنة يقولون: سلام عليكم لأن الأدنى منزلة - أصحاب الأعراف - يقول للأعلى - أصحاب الجنة - سلام عليكم. وجماعة الأعراف هم من تساوت سيئاتهم مع حسناتهم في ميزان العدل الإلهي الذي لا يظلم أحدا مثقال ذرة.

فأما من ثقلت موازينه * فهو في عيشة راضية * وأما من خفت موازينه * فأمه هاوية

[القارعة: 6-9]. ويا رب لقد ذكرت الميزان، وحين قدرت الموزون لهم لم تذكر لنا إلا فريقين اثنين.. فريقا ثقلت موازينه، وفريقا خفت موازينه، ومنتهى المنطق في القياس الموازيني أن يوجد فريق ثالث هم الذين تتساوى سيئاتهم مع حسناتهم، فلم تثقل موازينهم فيدخلوا الجنة، ولم تخف موازينهم فيدخلوا النار، وهؤلاء هم من تعرض أعمالهم على " لجنة الرحمة " فيجلسون على الأعراف. ومن العجيب أنهم حين يشاهدون أهل الجنة يقولون لهم سلام عليكم على الرغم من أنهم لم يدخلوا، ولكنهم يطمعون في أن يدخلوا، لأن رحمة الله سبقت غضبه. ﴿ ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون ﴾ [الأعراف: 46]. وبطبيعة الحال ليس في هذا المكان غش ولا خداع. وماذا حين ينظرون إلى أهل النار؟

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٧٩٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٧٩٩