7.95
ويعطي سبحانه بعد ذلك لهم الرزق، والعافية، والغنى لأن الحق إذا أراد أن يأخذ جبارا أخذ عزيز مقتدر فهو يمهله، ويرخي له العنان ليتجبر - كفرعون - من أجل أن يأخذه بغتة، كأنه يسقط من أعلى، فيعليه ويعليه من أجل أن ينزل به - كما يقولون - على جذور رقبته: ﴿ ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا ﴾. عفوا أي كثروا عددا ومالا وقوة أي أنه ما أخذهم سبحانه بالبأساء والضراء إلا وكان القصد منها أن يلفتهم إليه، فيمدهم ويعطي لهم العافية وما يسرهم، ثم يصيبهم بالعذاب بغتة. ﴿ ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا وقالوا قد مس آباءنا الضرآء والسرآء فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون ﴾ [الأعراف: 95]. ونلحظ أن الحق سبحانه وتعالى بعد أن تكلم على خلافة الإنسان في الأرض، وأنه أمده بكل ما تقوم به حياته، وأمده بالقيم بواسطة مناهج السماء، وأنزل المنهج مبينا ما أحل، وما حرم بعد أن كانوا يحلون ما حرم الله، ويحرمون ما أحل الله، فبين لهم الحق أن الذي خلق الخلق عالم بما يصلحهم فأحله، وعالم بما يفسدهم فحرمه، فليس لكم أن تقترحوا على الله حلالا، ولا حراما، ولكن بعض المشككين في منهج الله قالوا - وما زالوا يقولون -: إذا كان الله قد أحل شيئا وحرم شيئا فلماذا خلق ما حرم؟ ونقول: لقد خلق سبحانه كل شيء لحكمة قد تكون لغير الطعام والشراب والكسوة، فبعض الأشياء يكون مخلوقا لمهمة وإن لم تكن مباشرة لك فالبترول مثلا مخلوق لمهمة أن يوجد طاقة، لذلك لا نشربه. والخنزير مخلوق لحكمة لا نعلمها نحن، وإنما يعلمها من خلق، لأنه من الجائز أن يكون أداة لالتقاط الميكروبات التي تنشأ من عفن الأشياء التي يستعملها الناس في حياتهم، إذن فكل شيء مخلوق لحكمة، فلا تخرج أنت حكمة الأشياء من غير مراد خالقها لأن صانع الصنعة هو الذي يحدد الشيء الذي يوجد وينشئ القوة لها. ونحن نعلم - مثلا - أن أنواع الوقود كثيرة، فهناك " البنزين " النقي جدا ويرقمونه برقم 1 وهو مخصص للطائرة، ووقود السيارة وهو " البنزين " رقم 2. فإذا استخدمنا وقود ماكينة وآلة بدل ماكينة أخرى أفسدناها. كذلك خلق الله الإنسان وسخر له كل المخلوقات وأوضح: هذا يصلح لك مباشرة، وهذا مخلوق ليخدمك خدمة غير مباشرة فدعه في مكانه. وبعد أن عرض الحق سبحانه وتعالى مواقف الجنة، ومواقف النار، ومواقف أصحاب الأعراف الذين استوت حسناتهم وسيئاتهم وبعد أن بين المنهج كله أراد أن يبين أن ذلك ليس نظريا، وإنما هو واقع كوني أيضا. ففرق بين الشيء يقال نظرا، والشيء يقع واقعا، فقص علينا قصص الأنبياء حين أرسلهم إلى أقوامهم، فمن كذب بالرسل أخذه الله أخذ عزيز مقتدر بواقع يشهده الجميع فذكر نوحا مع قومه، وذكر عادا وأخاهم هودا، وذكر ثمود وأخاهم صالحا، ومدين وأخاهم شعيبا، وقوم لوط وسيدنا لوطا.
وبين ما حدث للمؤمنين بالنجاة، وما حدث للكافرين بالعطب والإذلال، ويوضح الحق سبحانه وتعالى: أنني آخذ الناس بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون، لأن الإنسان مخلوق أفاض الله عليه من صفات جلاله، ومن صفات جماله الشيء الكثير، فالله قوي، وأعطى الإنسان من قوته. والله غني وأعطى الإنسان من غناه، والله حكيم وأعطى الإنسان من حكمته، والله عليم وأعطى الإنسان من علمه. وإذا أردت أن تستوعب ما يقربك إلى كمال العلم في الله، فانظر ما علمه لكل خلق الله. ومع ذلك فعلمهم ناقص. ويردون إلى العلم الذاتي في الحق سبحانه وتعالى، وربما غر الإنسان بالأسباب وهي تستجيب له، فهو يحرث ويبذر ويروي، وإذا بالأرض تعطيه أكلها. وهو يصنع الشيء فيستجيب له. كل ذلك قد يغريه بأن الأشياء استجابت لذاتيته فيذكره الله: أن أذكر من ذللها لك.
كلا إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى