تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لم تقولون ما لا تفعلون

[الآية: 2]. إذن فالقول مقابله الفعل، والجزاء هنا على الفعل والقول لأن كليهما عمل. وإذا كان لله أسماء كثيرة، فهل يجوز هنا لنا أن نأخذ من فعل الله في شيء اسما له؟ وخصوصا انه القائل:

وعلم ءادم الأسمآء كلها

[البقرة: 31]. وهو القائل أيضا:

وعلمك ما لم تكن تعلم

[النساء: 113]. هل يمكن أن نقول: إن الله معلم؟ وهل يصح أن نأخذ من قوله:

وأكيد كيدا

[الطارق: 16]. اسما هو كائد؟ لا يجوز ذلك لأن أسماء الله توقيفية، وإن رأيت فعلا منسوبا لله فقف عند الفعل فقط ولا تأخذ منه اسما لله تعالى. ويقول الحق بعد ذلك: ﴿ وممن خلقنآ أمة يهدون... ﴾.

7.181

وبعد أن قال سبحانه:

ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس

[الأعراف: 179] أراد أن يطمئن أهل منهج الله، فلم يقل: " كل الناس " ، بل كثير من " الجن والإنس " ، وعرفنا المقابل يكون كثيرا أيضا بدليل قوله تعالى في سورة الحج:

وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب

[الحج: 18] أي كثير من الناس يسجدون لله وكثير حق عليهم العذاب. ويعني قول الحق تبارك وتعالى: ﴿ وممن خلقنآ أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ﴾ [الأعراف: 181]. أن كون الله لا يخلو من هداة مهديين، لتستمر الأسوة السلوكية في المجتمع. والأسوة السلوكية في المجتمع هي التي تربي عقائد المواجيد عند الصغار، فالصغير لا يعرف كيف يصلي، ولا كيف يصوم، ولا يميز بين الكذب والصدق ولكنه يتعلم بالتقليد لوالديه، فالطفل حين يرى والده وأمه ساعة يؤذن للصلاة يقوم كل منهما إلى الوضوء وأداء الصلاة، هنا يتعلم الطفل كيفية الصلاة، وحين يتكلم إنسان في سيرة آخر، يقول الأب أو الأم: لا داعي للخوض في سيرة الآخرين حتى لا نحبط حسناتنا بذلك يتعلم الطفل كيف يصون لسانه عن الخوض في سيرة الغير، لأن الأسوة السلوكية تنضح عليه، بدليل أن الصغير الذي لم يبلغ مبلغ الفهم إذا سمع المؤذن بعد ذلك يقوم من نفسه ليحضر سجادة الصلاة ويقلد والده ووالدته. ونفهم من قوله تعالى: ﴿ وبه يعدلون ﴾ [الأعراف: 181]. إنهم في حكمهم على الأشياء يقيمون العدل بالحق، أو أن يكون العدل هو نفي الشرك، وقد يكون العدل في مسألة الكبائر، أو يقيمون العدل في مسألة الحقوق بين الناس. ﴿ وممن خلقنآ أمة ﴾ [الأعراف: 181]. وقوله في الآية الكريمة: " أمة " يعني أن صفات الكمال المنهجية أكثر من أن يحيط بها واحد لينفذها كلها، فكل واحد له جزء يقوم به، فهناك من يتميز بالصدق، وآخر في الشجاعة، وثالث في الكرم، وهكذا تبقى الأسوة في مجموع الصفات الحسنة، وقد ميز الله سيدنا إبراهيم - على نبينا وعليه السلام - فقال:

إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين

[النحل: 120]. أي أنه جامع لخصال الخير التي لا توجد إلا في مجتمع واسع، ﴿ وممن خلقنآ أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ﴾ [الأعراف: 181]. وأي أمة من أمم الأرض - إذن - هي التي تهدي بالحق؟ لقد قال سبحانه في قوم موسى!

ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق

[الأعراف: 159]. ثم جاءت أمة محمد صلى الله عليه وسلم ولا رسول بعده، لذلك تظل هذه الأمة المسلمة مأمونة على صيانة منهج الله إلى قيام الساعة. فإذا رأيت إلحادا انتشر فاعلم أن لله مددا، وكلما زاد الناس في الإلحاد، زاد الله في المدد، وحتى إن صارت بلدة مسلمة غارقة في الفسق فقد يكون فيها واحد يجمع كل هذه الصفات الكريمة الهادية إلى الحق لتبقى شريعة الله مصونة بالسلوكيين التابعين لمنهج الله.

إذن فالحق سبحانه وتعالى ترك للفساد أن يصنع الشر، ولسائل أن يسأل: ما لزوم هذا الشر في كون خلقه الله على هيئة محكمة؟ نقول! لولا أن الناس يضارون بالشر لما تنبهوا إلى حلاوة الخير، ولو أن الإنسان لم يصب من أصحاب الباطل بسوء ما تحمس للحق أحد، ولا عرف الناس ضرورة أن يتأصل الحق في الوجود، فللشر - إذن - رسالته في الوجود. وهو أن يهيج إلى الخير، فكما ذرأ الله لجهنم كثيرا من الجن والإنس أوضح سبحانه وتعالى في قوله: ﴿ وممن خلقنآ أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ﴾ [الأعراف: 181] في الحكم، عدلا في القمة وهو ألا يشركوا بالله شيئا،لأن أول مخالفة لقضية العدل هي مخالفة الشرك وهو ظلم عظيم، فالشرك والعياذ بالله ينقل الأمر من مستحقه إلى غير مستحقه، وكذلك تحريم ما أحل الله، أو حل ما حرم الله، وكل ذلك ظلم، وكذلك عدم حفظ التوازن في الحقوق بين الناس، فإن لم يحصن العدل بحفظ الحقوق بين الناس من حاكم وولي ومسلط سنجد كل إنسان وهو يضن بجهده في الحياة يكتفي بأن يصنع على قدر حاجته بحيث لا يترك للظالم أن يأخذ منه شيئا، فلا يتحرك في الحياة إلا حركة محدودة، ولا يعمل إلا بقدر ما يكفيه فقط، فإذا ما حدث ذلك فلن يجد الضعاف الذين لا يقدرون على الحركة الإنتاجية أي فائض ليعيشوا به. إذن أراد الله أن يضمن بالعدل عرق وتعب كل واحد. فأوضح له أن ما تكسبه من حل هو ملك لك. لكن لله حق فيه، وأنت لك الباقي، حتى يجد الضعيف الذي لا يقدر على حركة الحياة من يقيته، ولذلك يحذرك المنهج الإيماني بقوله: إياك أن تستكثر أن تدفع للضعيف، لأن قوتك التي استعملتها في تحصيل هذا المال إنما هي عرض لا يدوم لك، فإن أخذنا منك وأنت قوي قادر على الحركة، سنأخذ لك حينما تكون عاجزا لا تقدر على الحركة، وذلك هو التأمين والعدالة. وبالنسبة للأمة في تلك الآية: ﴿ وممن خلقنآ أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ﴾ [الأعراف: 181]. فقد جاء في الآثار أن المراد بالأمة في هذه الآية الأمة المحمدية، قال قتادة: بلغني

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٩٥٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٩٥٢