تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

7.158

هنا يأمر الحق رسوله بالآتي: ﴿ قل يأيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا ﴾ في رسالة تعم الزمان، وتعم المكان. وفي ذلك يقول رسول الله:

" أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي.. نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس كافة وأعطيت الشفاعة ".

ثم بعد ذلك أراد الحق سبحانه وتعالى أن يثبت عمومية الرسالة بعمومية تسخير الكون للخلق لذلك كان الحديث موجها إلى كافة الناس: ﴿ قل يأيها الناس ﴾. وكل من يطلق عليهم ناس فالرسول مرسل إليهم: ﴿ إني رسول الله إليكم جميعا ﴾ وأراد سبحانه أن يعطينا الحيثيات التي تجعل لله رسولا يبلغ قومه وكافة الأقوام منهج الله في حركة حياتهم، فقال: ﴿ الذي له ملك السماوات والأرض ﴾. وما دام هو الذي يملك السماوات والأرض، ولم يدع أحد من خلقه أنه يملكها، وفي السماوات والأرض وما بينهما حياتنا ومقومات وجودنا فهو سبحانه أولى وأحق أن يعبد. ولو أن السماء لواحد، والهواء لواحد، والأرض لواحد، وما بينهما لواحد لكان من الممكن أن يكون إله هنا، وإله هناك وإله هنالك. وفي هذا يقول الحق:

إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض..

[المؤمنون: 91]. إذن فما دام الوجود كله من السماوات والأرض وما سواهما لله، فهو الأولى أن يعبد، وأول قمة العبادة أن تشهد بأن لا إله إلا الله، وحيثية ألوهيته الأولى أن له ملك السموات والأرض. وما دام إلها فلا بد أن يطاع، ولا يطاع إلا بمنهج، ولا منهج إلا بافعل ولا تفعل. وأول المنهج القمة العقدية إنه هو التوحيد. وجعل الله للتوحيد حيثية من واقع الحياة فقال: ﴿ يحيي ويميت ﴾. وهذا أمر لم يدعه أحد أبدا لأن الله هو الذي له ملك السماوات والأرض، ولأنه يحيي ويميت. ولذلك نجد من حاج إبراهيم في ربه يقول الحق عنه:

أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت..

[البقرة: 258]. وحاول هذا الملك أن يدير حوارا سفسطائيا مضللا ليفحم ويسكت إبراهيم - عليه السلام - فقال:

أنا أحيي وأميت..

[البقرة: 258]. وذلك بأن يأمر بقتل إنسان ثم يعفو عنه، وهو بذلك لا يميته بل يحييه في منطق السفسطائيين. لكن هل الأمر بالقتل هو الموت؟. طبعا لا لأن هناك فارقا بين الموت والقتل، فقد يقتل إنسان إنسانا آخر، لكنه لا يمكن أن يميته لأن الموت يأتي بدون هدم بنيته بشيء برصاصة أو بحجر أو بقنبلة. ولا أحد قادر على أن يميت احدا إذا رغب في أن يميته، فالموت هو الحادث بدون سبب، لكن أن يقتل إنسان إنسانا آخر فهذا ممكن، ولذلك يقول الحق سبحانه عن نفسه: { يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله.

. } [الأعراف: 158]. وانظروا إلى الدقة في الأداء فما دام قد أمر الحق رسوله أن يقول: إني رسول الله إليكم جميعا، وحيثية الإيمان هي الإقرار والاعتقاد بوحدانية الإله الذي له ملك السماوات والأرض، وهو لا إله إلا هو، وهو يحيي ويميت لذلك يدعوهم إلى الإيمان بالخالق الأعلى: ﴿ فآمنوا بالله ورسوله ﴾. لم يقل محمد وآمنوا بي لأنها ليست مسألة ذاتية في شخصك يا محمد، إنما هو تكريم لرسالتك إلى الناس، فالإيمان لا بذاتك وشخصك، ولكن لأنك رسول الله، فجاء بالحيثية الأصلية ﴿ فآمنوا بالله ورسوله ﴾ ، والرسول قد يكون محمدا أو غير محمد.. وبعد ذلك قال في وصف النبي: ﴿ النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته ﴾. والأمية - كما علمنا من قبل - شرف في سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وهو صلى الله عليه وسلم يؤمن بكلمات الله، وهي إما بما بلغنا عنه من أسلوب القرآن، وإما بالذي قاله موسى لقومه: " وجعل كلامي في فيه ". ويقول فيه عيسى - الذي لا يتكلم من قبل نفسه -، وإنما تأتي له كلمات ربنا في فمه، والقول الشامل في وصف كلمات محمد صلى الله عليه وسلم: ما بينه الحق في قوله:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٩١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٩١٠