تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

7.41

المهاد هو الفراش، ومنه مهد الطفل، والغاشية هي الغطاء، أي أن فرش هذا المهاد وغطاءه جهنم. وفي آية أخرى يقول الحق سبحانه وتعالى:

لهم من فوقهم ظلل..

[الزمر: 16]. إذن الظلل والغواشي تغطي جهتين في التكوين البعدي للإنسان، والأبعاد ستة وهي: الأمام والخلف، واليمين والشمال، والفوق والتحت، والمهاد يشير إلى التحتية، والغواشي تشير إلى الفوقية، وكذلك الظلل من النار، ولكن الحق شاء أن يجعل جهنم تحيط بأبعاد الكافر الستة فيقول سبحانه:

إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها..

[الكهف: 29]. وهذا يعني شمول العذاب لجميع اتجاهات الظالمين. وجهنم مأخوذة من الجهومة وهي الشيء المخوف العابس الكريه الوجه، ثم يأتي بالمقابل ليشحن النفس بكراهية ذلك الموقف، ويحبب إلى النفس المقابل لمثل هذا الموقف، فيقول سبحانه: ﴿ والذين آمنوا... ﴾.

7.42

وبهذا يخبرنا الحق أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات هم أصحاب الجنة وهم فيها خالدون، ويضع لنا الحق تنبيها بين مقدمة الآية وتذييلها ﴿ لا نكلف نفسا إلا وسعها ﴾ لنفهم أن المسرفين على أنفسهم بالكفر وتكذيب الآيات لم يفهموا حقيقة الإيمان، وأن حبس النفس عن كثير من شهواتها هو في مقدور النفس وليس فوق طاقتها لذلك أوضح لنا سبحانه أنه كلف ب " افعل ولا تفعل " وذلك في حدود وسع المكلف. وحين نستعرض الصورة إجمالا للمقارنة والموازنة بين أهل النار وأهل الجنة نجد الحق قد قال في أهل النار:

إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السمآء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط وكذلك نجزي المجرمين

[الأعراف: 40]. فهم لن يدخلوا الجنة، وعلى ذلك فقد سلب منهم نفعا، ولا يتوقف الأمر على ذلك، ولكنهم يدخلون النار، إذن فهنا أمران: سلب النافع وهو دخولهم الجنة، إنه سبحانه حرمهم ومنعهم ذلك النعيم، وذلك جزاء إجرامهم. وبعد ذلك كان إدخالهم النار، وهذا جزاء آخر فقال الحق:

لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش وكذلك نجزي الظالمين

[الأعراف: 41]. في الأولى قال: - سبحانه - ﴿ وكذلك نجزي المجرمين ﴾. وفي الثانية قال: ﴿ وكذلك نجزي الظالمين ﴾. فكأن الإجرام كان سببا في ألا يدخلوا الجنة، والظلم كان سببا في أن يكون من فوقهم غواش، ولهم من جهنم مهاد، وهم في النار يحيطهم سرداقها. ومن المناسب بعد ذلك الشحنة التي تكرهنا في أصحاب النار وفي سوء تصرفهم فيما كلفوا به أولا، وسبب بشاعة جزائهم ثانيا أن نتلهف على المقابل. فقال سبحانه: ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون ﴾ [الأعراف: 42]. وقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ لا نكلف نفسا إلا وسعها ﴾ جاء بين المبتدأ والخبر، ككلام اعتراضي لأن الأسلوب يقتضي إبلاغنا أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم الخلود في الجنة، وجاءت ﴿ لا نكلف نفسا إلا وسعها ﴾ بين العمدتين وهما المبتدأ والخبر لأننا حينما نسمع ﴿ والذين آمنوا ﴾ فهذا عمل قلبي، ونسمع بعده ﴿ وعملوا الصالحات ﴾ وهذا عمل الجوارح، وبذلك أي بعمل القلب مع عمل الجوارح يتحقق من السلوك ما يتفق مع العقيدة. والاعتقاد هو ما يسهل دائما السلوك الإيماني ويجعل مشاق التكاليف في الأعمال الصالحة مقبولة وهينة، ولذلك أوضح سبحانه: إياكم أن تظنوا أني قد كلفتكم فوق طاقتكم، لا فأنا لا أكلف إلا ما في الوسع، وإياكم أن تفهموا قولي: ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ هو رغبة في إرهاق نفوسكم، ولكن ذلك في قدرتكم لأنني المشرع، والمشرع إنما يضع التكليف في وسع المكلف. ونحن في حياتنا العملية نصنع ذلك فنجد المهندس الذي يصمم آلة يخبرنا عن مدى قدراتها، فلا يحملها فوق طاقتها وإلا تفسد.

وإذا كان الصانع من البشر لا يكلف الآلة الصماء فوق ما تطيق، أيكلف الذي خلق البشر فوق ما يطيقون؟ محال أن يكون ذلك. إذن فيجب أن نوصد الباب أمام الذين يحاولون أن يتحللوا من التزامات التكليف عليهم، فلا تعلق الحكم على وسعك الخائر الجائر، ولكن غلق الوسع على تكليف الله، فإن كان قد كلف فأحكم لأن ذلك في الوسع والدليل على كذب من يريد الافلات من الحكم هو محاولته إخضاع الحكم لوسعه هو أن غيره يفعل ما لا يريد أن يفعله. فحين ينهى الحق عن شرب الخمر تجد غيرك لا يشرب الخمر امتثالا لأمر الله، وكذلك تجد من يمتنع عن الزنا أو أكل الربا فإذا كان مثيلك وهو فرد من نوعك قادرا على هذا العمل فمن لا يمتنع عن مثل هذه المحرمات هو المذنب لا لصعوبة التكليف. فالتكليف هو أمر الشارع الحكيم ب " افعل " و " لا تفعل " وسبحانه لا يكلف الإنسان إلا إذا كان قادرا على أن يؤدي مطلوب الشرع لأن الله لا يكلف إلا على قدر الطاقة، واستبقاء الطاقة يحتاج إلى قوت، طعام، شراب، لباس، وغير ذلك مما تحتاج إليه الحياة، لذلك أوضح سبحانه أنه يوفر للإنسان كل ماديات الحياة الأساسية، وإياكم أن تظنوا أن الله حين يكلف الإنسان يكلفه شططا، ولكن الإنسان هو الذي يضع في موضع الشطط. فقال:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٧٩٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٧٩٤