31 - سورة لقمان
31.1
﴿ الم ﴾ سبق أن فصلنا القول في الحروف المقطعة في بدايات السور، وذكرنا كل ما يمكن أن يقوله بشر، وبعد هذا كله نقول: والله أعلم بمراده لأننا مهما أوتينا من العلم فلن نصل إلى غاية هذه الحروف، وسيظل فيها من المعاني ما نعجز نحن عن الوصول إليه. فإن قلت: فما فائدة هذه الحروف المقطعة إن كانت غير معلومة المعنى؟ نقول: نحن نناقشكم بالعقل وبالمنطق، فالقرآن نزل بأسلوب عربي، وتحدى العرب وهم أهل الفصاحة والبلاغة والبيان وأصحاب التعبير الجميل والأداء الرائع، ونزل في قريش التي جمعت في لغتها كل لغات القبائل العربية، وقد خرج منها صناديد كذبوا محمدا، وكفروا بدعوته، فهل سمعنا منهم من يقول مثلا: ما معنى الم أو حم. والله لو كان فيها مطعن ما تركوه، إذن: فهذا دليل على أنهم فهموا هذه الحروف، وعرفوا أن لها معنى أبسطها أن نقول: هي من حروف التنبيه التي كان يستخدمها العرب في كلامهم، فهي مثل ألا في قول الشاعر:
ألا هبي بصحنك فاصبحينا
ولا تبق خمور الأندرينا
فألا أداة للتنبيه، وتأتي أهمية التنبيه في أول الكلام من أن المتكلم يملك زمام منطقه فيرتبه ويعده، ويدير المسائل بنسب ذهنية في ذهنه، لكن السامع قد يكون غافلا، فيفاجأ بالكلام دون استعداد، فيفوته منه شيء، فتأتي حروف التنبيه لتخرجه من غفلته، وتسترعي انتباهه، فلا يفوته من كلامك شيء، إذن: أبسط ما يقال في هذه الحروف أنها للتنبيه على طريقة العرب في كلامهم. وسبق أن بينا أن القرآن مبني كله على الوصل في آياته وسوره، بل في آخره وأوله نقول: من الجنة والناس بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وكذلك في الآيات والسور. وكأن الله تعالى يريد منك ألا تفصل آية من القرآن عن التي بعدها لذلك يقولون عن قارئ القرآن: هو الحال المرتحل، فهو حال في آية أو سورة، مرتحل إلى التي تليها. إذن: الوصل سمة عامة في القرآن كله لا يستثنى من ذلك إلا الحروف المقطعة في بدايات السور، فهي قائمة على القطع، فلا نقول هنا ألف لام ميم، لكن نقول ألف لام ميم، فلماذا اختلفت هذه الحروف عن السمة العامة للقرآن كله؟ قالوا: ليدلك على أن الألف أو اللام أو الميم، لكل منها معناه المستقل، وليست مجرد حروف كغيرها من حروف القرآن لذلك خالفت نسق القرآن في الوصل لأن لها معنى مستقلا تؤديه. ويفسر هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم:
" من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول الم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف ".
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ تلك آيات الكتاب... ﴾.