تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

7.87

وهذا القول يوضح لنا أن طائفة آمنت، وطائفة لم تؤمن، ثم جاء الأمر للطائفتين، فأمر المؤمنين بالصبر تأنيس لهم، وأمر الكافرين بالصبر تهديد لهم. وهذه دقة القرآن في الأداء وعظمة البيان والبلاغة. إذن، فكلمة: اصبروا نفعت في التعبير عن الأمر بالصبر للذين آمنوا، ونفعت في كشف المصير الذي ينتظر الذين لم يؤمنوا، فصبر الكافرين مآله وعاقبته، إما أن يخجلوا من أنفسهم فيؤمنوا، وإما أن يجدوا العذاب، وصبر المؤمنين يقودهم إلى الجنة، وأن الذي يحكم هو الله وهو خير الحاكمين لأن المحكوم عليهم بالنسبة له سواء، فلا أحد منهم له أفضلية على أحد، ولا أحد منهم قريبه، وإلا قرابة القربى والزلفى إليه، وسبحانه هو العادل بمطلق العدل، ولا يظلم أحدا. ويقول الحق بعد ذلك: ﴿ قال الملأ الذين استكبروا... ﴾.

7.88

علمنا من قبل أن الملأ هم السادة، والأعيان الذين يملأون العيون هيبة، ويملأون القلوب هيبة، ويملأون الأماكن تحيزا. وقد استكبر الملأ من قوم شعيب عن الإيمان به، وطغوا وهددوه بأن يخرجوه من أرضهم. وقالوا مثلما قال من سبقوهم. فقد نادى بعض من قوم لوط بأن يخرجوا لوطا ومن آمن معه من قريتهم. قال تعالى:

فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون

[النمل: 56]. وكلمة " قرية " تأخذ في حياتنا وضعا غير وضعها الحقيقي، فالقرية الآن هي الموقع الأقل من المدينة الصغيرة. لكنها كانت قديما البلد الذي توجد فيه كل متطلبات الحياة، بدليل أنهم كانوا يقولوا عن مكة " أم القرى ". وقد وضع الملأ شعيبا ومن آمن معه بين أمرين: إما أن يخرجوهم حتى لا يفسدوا من لم يؤمن فيؤمن، وإما أن يعودوا إلى الملة. وهنا " لفتة لفظية " أحب أن تنتبهوا إليها في قوله: ﴿ أو لتعودن في ملتنا ﴾ لأن العود يقتضي وجودا سابقا خرج عنه، ونريد أن نعود إلى الأصل، فهل كان شعيب والذين آمنوا معه على ملتهم ثم آمنوا والمطلوب منهم الآن أنهم يعودون؟ علينا أن ننتبه إلى أن الخطاب هنا يضم شعيبا والذين آمنوا معه. وقد يصدق أمر العودة إلى الملة القديمة على الذين مع شعيب، ولكنها لا تصدق على شعيب لأنه نبي مرسل، وهنا ننتبه أيضا إلى أن الذي يتكلم هنا هم الملأ من قوم مدين، ووضعوا شعيبا والذين آمنوا معه أمام اختيارين: إما العودة إلى الملة، وإما الخروج، ونسوا أن الحق قد يشاء تقسيما آخر غير هذين القسمين. فقد يوجد ويريد سبحانه أمرا ثالثا لا يخرج فيه شعيب والذين آمنوا معه، وأيضا لا يعودون إلى ملة الكفر، كأن تأتي كارثة تمنع ذلك. لقد عزل الملأ من قوم شعيب أنفسهم عن المقادير العليا، لأن الله قد يشاء غير هذين الأمرين، فقد يمنعكم أمر فوق طاقتكم أن تخرجوا شعيبا ومن آمن معه بأن يصيبكم ضعف لا تستطيعون معه أن تخرجوهم، أو أن يسلط الله عليكم أمرا يفنيكم وينجي شعيبا والذين آمنوا معه. إذن أنت أيها الإنسان الحادث، العاجز لا تفتئت ولا تفتري وتختلق على القوة العليا في أنك تخير بين أمرين قد يكون لله أمر ثالث لا تعلمه، ويأتي الرد على لسان من آمنوا مع شعيب: ﴿ قال أولو كنا كارهين ﴾ [الأعراف: 88]. لقد سأل شعيب والذين معه: أيمكن أن يتم قهر أحد على أن يترك الإيمان إلى الكفر، كأن الكافرين قد تناسوا أن التكليف مطمور في الاختيار، فالإنسان يختار بين سبيل الإيمان وسبيل الكفر. ويتتابع القول من شعيب والذين آمنوا معه: ﴿ قد افترينا على الله كذبا... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٨٤٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٨٤٠