تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

54 - سورة القمر

54.1

الساعة من أسماء يوم القيامة، فهي: الساعة، والحاقة، والصاخة، والواقعة، والطامة، وغيرها، وكل وصف من هذه الأوصاف فيه جانب من الفزع والإخافة. ونلاحظ المناسبة بين أواخر النجم وبداية القمر، فهناك قال:

أزفت الآزفة

[النجم: 57] وهنا قال: ﴿ اقتربت الساعة.. ﴾ [القمر: 1] وقلنا: إن مجرد بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم من علامات الساعة، نعرف أن الساعة لن تقوم إلا على شرار الخلق حين لا يقال في الأرض: الله، الله. أما أهل القبور، من لدن سيدنا آدم عليه السلام إلى من مات قبل قيام الساعة، فكما قلنا إن الزمن في حقهم متوقف، لأن الزمن فرع الأحداث، فإذا لم توجد الأحداث لا يوجد الزمن. لذلك قال تعالى عنهم:

كأنهم يوم يرونها

[النازعات: 46] أي: القيامة

لم يلبثوا إلا عشية أو ضحها

[النازعات: 46] والرجل الذي حاج إبراهيم في ربه أماته الله مائة سنة، وقال بعد أن أحياه الله

لبثت يوما أو بعض يوم..

[البقرة: 259]. وقالها أهل الكهف بعد ثلاثمائة سنة وتسع، لأن هذه هي الفترة التي يمكن أن يستغرقها النائم في نومه، كذلك ستمر فترة البرزخ على أهل القبور هكذا، وكأنهم ناموا نومة وقاموا منها. والله سبحانه وتعالى هو مالك الزمن، وهو القابض والباسط، يقبضه لمن يشاء ويبسطه لمن يشاء. ومعنى ﴿ اقتربت الساعة.. ﴾ [القمر: 1] يعني: هي قريبة منك على المستوى الشخصي، فلا تنظر أنت إلى العلامات الصغرى، ثم إلى العلامات الكبرى وتقول: ما زال الوقت طويلا بيننا وبين القيامة، لا ليس كذلك يكون تصور القيامة. فالقيامة للإنسان هي أن يموت، ليست بعد آلاف أو ملايين السنين لقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" من مات فقد قامت قيامته ".

نعم لأنه انتقل من مرحلة الدنيا إلى مرحلة الآخرة، وانقطع عمله في الدنيا، والحق سبحانه أبهم وقت الموت ومكانه ليظل الإنسان على ذكر له في كل لحظة. وقوله تعالى: ﴿ وانشق القمر ﴾ [القمر: 1] انشقاق القمر آية كونية ثابتة بالكتاب والسنة، فقد ورد أن القمر انشق لرسول الله حتى ظهر حراء بين الشقين، وقد رأى هذه الآية أهل هذا الزمان ممن تيسر لهم الرؤية فشاهدوه على هذه الصورة. لا نقول رآه العالم كله، لأن الآيات الكونية معجزات يراد منها تثبيت الرسل، وبيان صدقهم في البلاغ عن الله، فليس بالضرورة أن يرى هذه الآية كل أهل هذا الزمان، كيف ونحن الآن مع التقدم العلمي الهائل وتوفر وسائل الاتصال نسمع عن حدوث خسوف أو كسوف في وقت كذا وكذا، وفعلا تنقله القنوات المختلفة، ومع ذلك ومع الإعلان عن الظاهرة مقدما إلا أن القليل هم الذين يتمكنون من رؤيتها، والقمر آية ليلية في وقت معظم الناس فيه نائمون.

ثم إن المعجزات والآيات الكونية للرسل لا يقصد منها المعجزة الدائمة، بل معجزة لمن شاهدها ليثبت على إيمانه إن كان مؤمنا، أو يؤمن بالله إن كان كافرا. لذلك قالوا: هي كعود الكبريت لا يشتغل إلا مرة واحدة، وهكذا كل معجزات الرسل، فلولا أن القرآن أخبرنا بعصا موسى ما كنا عرفنا عنها شيئا. والآيات الكونية هذه خرق للنواميس في لحظتها، ثم تعود الأمور إلى طبيعتها، فالقمر انشق فعلا وخرق العادة، ثم عاد إلى ما كان عليه بعد أن رآه كفار مكة المكذبون لرسول الله، ليس كل الكفار بل بعضهم، فهذا البعض الذي شاهد المعجزة كاف لإثباتها. وقالوا: معنى ﴿ اقتربت الساعة.. ﴾ [القمر: 1] أي: ساعة كل إنسان وأجله الذي ينتظره ﴿ وانشق القمر ﴾ [القمر: 1] أي: ينشق عنه ويغيب ويعتزل حياته. وما دام أن الله تعالى قال ﴿ اقتربت.. ﴾ [القمر: 1] فقد اقتربت بالفعل، ولا تبحث في هذه المسألة. والحق سبحانه قال أيضا:

أتى أمر الله فلا تستعجلوه سبحانه وتعالى عما يشركون

[النحل: 1] فقال أتى بلفظ الماضي كأنه حدث بالفعل فكيف يقول

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٦٧٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٦٧٨