7.140
هم حينما قالوا لموسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، قال لهم أولا: ﴿ إنكم قوم تجهلون ﴾ ، ثم قال: ﴿ إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون ﴾ ، وبعد ذلك رجع إلى الدليل على أن هذا طلب جهل، وأن الذين يعبدون الأصنام من دون الله إنما يفعلون باطلا فقال: ﴿ قال أغير الله أبغيكم إلها وهو فضلكم على العالمين ﴾. وقوله: ﴿ أغير الله ﴾ أي أن الإله الذي عرفتم بالتجربة العملية أنه فضلكم على العالمين ورأيتم ما صنع بعدوكم الذي استذلكم وسامكم سوء العذاب، إنه قد أهلكه ودمره، هل يمكن أن تطلبوا ربا غيره؟ وقوله: ﴿ قال أغير الله أبغيكم ﴾ أي أأطلب لكم إلها غيره؟ وفي سؤاله هذا استنكار لأنه يتبعه بتفضيل الله لهم على العالم، ثم أراد أن يذكرهم بقمة التفضيل لهم فيقول سبحانه على لسان موسى: ﴿ وإذ أنجيناكم من آل فرعون... ﴾.
7.141
وإذا سمعت " إذ " فافهم ان معناها ظرف زمان يريد الحق أن نتذكر ما حدث فيه، و " إذ " يعني اذكروا جيدا ولا يغب عن بالكم حين أنجاكم الله من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب وأفظعه وأشده. ويقول بعدها مبينا ومفسرا ذلك العذاب: ﴿ يقتلون أبنآءكم ويستحيون نسآءكم ﴾. ونلحظ أنه لم يأت بالعطف هنا، فلم يقل: يسومونكم سوء العذاب يقتلون أبناءكم ويستحيون نساءكم. مما يدل على أنه جاء بقمة سوء العذاب لأن الاحتقار، والتسخير هما جزء من العذاب. لكن قمة العذاب هي تقتيل الأبناء، واستحياء النساء. وفي آية ثانية يقول سبحانه:
وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبنآءكم..
[البقرة: 49]. أي أنهم تعرضوا للتقتيل، وتعرضوا للتذبيح، وفي آية ثالثة يقول:
إذ أنجاكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب ويذبحون أبنآءكم...
[إبراهيم: 6]. لقد جاء ب " الواو " هنا للعطف. لأن المتكلم هنا مختلف، فقد يكون المتكلم الله، وسبحانه يمتن بقمة النعم. لكن: ﴿ وإذ قال موسى لقومه ياقوم اذكروا ﴾ ، فموسى يمتن بكل النعم التي ساقها الله إلى بني إسرائيل صغيرة وكبيرة. ويذيل الحق الآية الكريمة: ﴿ وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم ﴾. هو بلاء شديد الإيلام والواقع لفراق من يقتل أو يذبح، وبلاء آخر في الهم والحزن على من يستبقي من النساء لاستباحة أعراضهن وامتهانهن في الخدمة. ويقول الحق بعد ذلك: ﴿ وواعدنا موسى... ﴾.