تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكلمة " أصلح " تستلزم أن يبقى الصالح على صلاحه فلا يفسده، وإن شاء الله يزيد فيه صلاحا فليفعل. وقوله: ﴿ ولا تتبع سبيل المفسدين ﴾ لأنه قول موجه لنبي وهو هارون، لا يتأتى منه الإفساد، ولكن موسى أعلمه أنه ستقوم فتنة بعد قليل، فكأن موسى قد ألهم أنه سيحدث إفساد، فقصارى ما يطلبه من أخيه هارون ألا يتبع سبيل المفسدين، ولذلك سيقول هارون بعد ذلك مبررا تركه بني إسرائيل على عبادة العجل بعد أن بذل غاية جهده في منعهم وإنذارهم حتى قهروه واستضعفوه ولم يبق إلا أن يقتلوه.

إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرآئيل ولم ترقب قولي

[طه: 94]. ويقول الحق بعد ذلك: ﴿ ولما جآء موسى... ﴾.

7.143

والميقات هو الوقت الذي يعد لعمل من الأعمال. ونسميه وقت العمل. وغلب على أشياء في الإسلام، كمواقيت الحج. ونحن نعلم أن كل عمل وحدث يتطلب أمرين يظرف فيهما، أي يكونان ظرفا له فلا بد له من مكان يحدث فيه، ومن زمان يحدث فيه كذلك، واسمهما ظرف الزمان، وظرف المكان. إلا أن ظرف الزمان غير قار أي غير ثابت فقد يأتي الصبح ويذهب ويأتي بعده، الظهر، والعصر والمغرب والعشاء. لكن ظرف المكان قار وثابت. والمواقيت - إذن - إما أن يتحكم فيها الزمان، وإما أن يتحكم فيها المكان، وإما أن يتحكم فيها المكان والزمان معا. فإذا أخذنا المواقيت على أنها زمن كل فعل نجد فريضة " الصوم " لها زمن محدد وهو رمضان. فالذي يتحكم في الصوم هو الزمن، فيكون ويحدث في أي مكان. وكذلك صيام عرفة يتحكم فيه أيضا الزمان لأنه صيام يوم عرفة، ومن يجلس في أي مكان يصوم يوم عرفة ولكنه غير مطلوب من الحاج. ولكن الوقوف بعرفة يتحكم فيه المكان والزمان معا. والإحرام بالحج أو العمرة يتحكم فيه المكان وهو ما يسمى بالميقات المكاني ولكل أهل جهة ميقاتهم المكاني الذي يطلب منهم ألا يمروا عليه إلا وهم محرمون. فمرة يتحكم الزمان، ومرة يتحكم المكان، وثالثة يتحكمان معا. وجاء موسى لميقاتنا المضروب له بعد أربعين ليلة. وهل جاء موسى للميقات أو جاء في الميقات؟ لقد جاء في الميقات، واللام تأتي بمعنى " عند ". ونعلم أن " اللام " تأتي بمعنى " عند " كثيرا في القرآن، مثل قوله:

أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق اليل..

[الإسراء: 78]. أي أقم الصلاة عند دلوك الشمس أي عند زوالها عن وسط وكبد السماء إلى غسق الليل. ومن الدلوك إلى الغسق نجد صلاة الظهر ثم العصر ثم المغرب ثم العشاء، وهذه أربعة فروض، وبقي الفرض الخامس وهو الفجر، وقال فيه الحق:

وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا

[الإسراء: 78]. ولماذا بدأ بدلوك الشمس؟ وهل النهار يبدأ بالظهر أو يبدأ بالصبح؟. إن الإسراء والمعراج كانا ليلا، ورسول الله جاء صباحا إلى مكة، وقد فرضت الصلاة في المعراج، فكانت أول فريضة هي الظهر، وكأن الحق يعني خذ الغاية وخذ البداية، وكانت البداية هي صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء وبقي الفجر، وجاء فيه: ﴿ وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا ﴾. ثم يخص الله رسوله بالتهجد وهو قيام الليل إنه فرض على رسول الله دون غيره، فإنه بالنسبة لسائر الأمة تطوع.

ومن اليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا

[الإسراء: 79]. ومن يتشبه برسول الله فله الثواب الجزيل والأجر العظيم ولكن هذا الأمر مرجعه إلى اختيار المسلم: ﴿ ولما جآء موسى لميقاتنا وكلمه ربه ﴾.

وهذه المسألة تحتاج إلى بحث، وقوله سبحانه: ﴿ وكلمه ربه ﴾ هو قول يدل على أن كلاما حصل من الله لموسى فكيف يحدث ذلك وسبحانه قد قال في مسألة الكلام بالنسبة للبشر كلاما عاما:

وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من ورآء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشآء..

[الشورى: 51]. وفي هذا نفي أن يكلم الله البشر. إلا بالوسائل الثلاث: الوحي أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا، والوحي بالنسبة للأنبياء يكون بإلقاء المعنى في قلب النبي دفعة، مع العلم اليقيني بأن ذلك من الله عز وجل، وقد يراد بالوحي الإلهامات مثل الوحي إلى أم موسى، والوحي إلى الحواريين، وكذلك إلى الملائكة، وقد يراد بالوحي: التسخير كالوحي للأرض، والنحل. وبعد ذلك.. ﴿ أو من ورآء حجاب ﴾ أي أن يسمع كلاما ولا يرى متكلما، ﴿ أو يرسل رسولا ﴾ هو جبريل عليه السلام. والقرآن لم ينزل إلا بطريقة واحدة، بواسطة نزول جبريل على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. فما نزل القرآن بالإلهام، وما نزل القرآن من وراء حجاب بل نزل بواسطة رسول من الله وهو جبريل وله علامات. وهنا في كلام موسى نقول إن الكلام وقع فيه من وراء حجاب وهنا نمسك عن الخوض فيما وراء ذلك لأنه غيب لم يكشف لنا عنه ونترك الأمر فيه لله. وقد سبق أن قلنا: إن صفات الله لا يوجد مثلها في البشر. فليس وجود الإنسان كوجود الله، وليس غنى الإنسان كغنى الله، وكذلك لن يكون أبدا كلامك ككلام الله، لأن كل شيء يخص الله إنما نأخذه في إطار " ليس كمثله شيء ". وقد بين الحق سبحانه وتعالى أن كلامه لموسى، تميز لموسى، ولذلك يقول الحق:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٨٨٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٨٨٩