تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض..

[الإسراء: 104]. وقطعهم ربنا في الأرض أي أنه نشرهم في البلاد، ولم يجعل لهم وطنا مستقلا، ولذلك ستقرأ في سورة الإسراء إن شاء الله:

وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض..

[الإسراء: 104]. أي أنه سبحانه قال لهم بعد سيدنا موسى: اسكنوا الأرض وحين تقول لنا يا رب: " اسكن " فأنت تحدد مكانا من الأرض. كأن يسكن الإنسان في الإسكندرية أو القاهرة أو الأردن أو سوريا، لكن أن يصدر الحكم بأن ﴿ اسكنوا الأرض ﴾ فهذا يعني أن انساحوا فيها فلا تجمع لكم. ويقول الحق:

فإذا جآء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا

[الإسراء: 104]. أي أنه حين يجيء وعد الآخرة تكون ضربة قاضية عليكم - أيها اليهود - لأن عدوكم لن يتتبعكم في كل أمة من الأمم، ويبعث جيشا يحاربكم في كل مكان تعيش فيه طائفة منكم، لكن إذا جاء وعد الآخرة يأتي بهم الحق لفيفا ويتجمعون. في هذا الوطن القومي الذين يفرحون به، ونقول لهم: لا تفرحوا فهذا هو التجمع الذي قال الله عنه: ﴿ جئنا بكم لفيفا ﴾ لتكون الضربة موجهة لكم في مكان واحد تستأصلكم وتقضي عليكم. ويأتي الحق بعد ذلك بخبر المعجزات: { وأوحينآ إلى موسى إذ استسقاه قومه أن اضرب بعصاك الحجر.

. } [الأعراف: 160]. و " استسقى " المراد منه هو طلب السقيا، والسقيا هي طلب الماء الذي يمنع على الإنسان العطش، وما دام قد طلبوا السقيا فلا بد أنهم يعانون من ظمأ، كأنهم في التيه. وأراد الله سبحانه أن يبرز لهم نعمه وقت الحاجة، فقد تركهم إلى أن عطشوا ليستسقوا وليشعروا بنعمة الري. والحق يقول: ﴿ إذ استسقاه قومه ﴾ ، أي طلبوا من سيدنا موسى أن يسأل الله السقيا. فلماذا لجأوا إلى موسى وقت الظمأ؟ وقال لهم موسى: ليس بذاتي أرويكم، ولكن سأستسقي لكم ربي، ونعلم أن مقومات الحياة بالترتيب الوجودي الاضطراري: الهواء والماء والطعام. وساعة ترى " همزة " وسينا " وتاء " واقعة على شيء من الأشياء فاعرف أنه أمر مطلوب ومرغوب فيه. مثال ذلك: حين سار موسى والعبد الصالح ونزلا قرية استطعما أهلها، أي طلبا طعاما وهذا هو المقوم الثالث للحياة. وهنا " استسقى " أي طلب المقوم الثاني وهو الماء، ونعلم أن المقوم الأول وهو الهواء لا نستغني عنه. لذا لم يضعه الله في يد أحد بل أعطاه ومنحه كل الخلق. ولما كان الهواء غير مملوك وهو مشاع لذلك لم توجد فيه هذه العملية. إنما الطعام يمكن أن يملك، والماء يمكن أن يملك، فقال سبحانه مرة " استطعم " ، وقال هنا " استسقى " ، ولم يوجد " استهوى " لطلب الهواء، لكن وجد في القرآن " استهوى " بمعنى طلب أن تكون على هواه:

كالذي استهوته الشياطين..

[الأنعام: 71]. أي طلبت الشياطين أن يكون هواه ومراده تبعا لما يريدون لا لما يريده الله. وقصة الاستسقاء وردت من قبل في سورة البقرة: ﴿ وإذ استسقى موسى لقومه ﴾. وفي سورة الأعراف التي نحن بصدد خواطرنا عنها هم الذين طلبوا الاستسقاء. فهل هناك تعارض؟. طبعا لا لأن قوم موسى طلبوا السقيا من موسى، فطلب لهم السقيا من ربه. فهل هذا تكرار؟ لا لأنه سبحانه تكلم عن الواسطة، وبعد ذلك تكلم عن الأصل، وهو سبحانه الواهب للماء فقال هنا: " إذ استسقاه قومه " ، وفي سورة البقرة قال: ﴿ وإذ استسقى موسى لقومه ﴾. وهذا ترتيب طبيعي. أقول ذلك لنعرف الفارق بين العبارتين حتى نؤكد أنه لا خلاف ولا تكرار لأن المستسقى هنا القوم، والمستسقى لهم هنا هو موسى والمستسقى منه هو الله - جلت قدرته - وهذا أمر طبيعي. والحق سبحانه يقول في سورة البقرة:

وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر..

[البقرة: 60]. ونجد الوحي نزل إلى موسى بقوله: ﴿ فقلنا اضرب ﴾ وهنا في سورة الأعراف نجد الحق يقول: ﴿ وأوحينآ إلى موسى إذ استسقاه قومه أن اضرب بعصاك الحجر... ﴾ [الأعراف: 160]. ولنا أن نعرف أن " قلنا " تساوي " أوحينا " تماما، لأن المقصود بالقول هنا ليس من مناطات تكليم الله لموسى، بل مناط هذه القضية غير المناط في قوله الحق: ﴿ وكلم الله موسى تكليما ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٩١٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٩١٣