تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وما ينطق عن الهوى

[النجم: 3]. أو أن الإيمان بالكلمات هو أن يؤمن بأن كل كون الله مخلوق بكلمة منه:

إنمآ أمره إذآ أراد شيئا أن يقول له كن فيكون

[يس: 82]. ولقائل أن يقول: كيف يخاطب الله شيئا وهو لم يكن بعد؟ ونقول: إنه سبحانه قد علمه أزلا، ووجوده ثابت وحاصل، ولكن الله يريد أن يبرز هذا الموجود للناس، فوجود أي شيء هو أزلي في علم الله، وكأنه يقول للشيء: اظهر يا كائن للوجود ليراك الناس بعد أن كنت مطمورا في طي قدرتي. وسواء أكانت الكلمة بخلق الأسباب، مثل خلق الشمس والقمر أم بخلق شيء بلا أسباب، كعيسى - عليه السلام - فأنه " كلمة منه " أي كلمة تخطت نطاق الأسباب بأن ولدت سيدتنا مريم من غير رجل. وفي هذا تخط للأسباب، ولذلك قال الحق سبحانه: ﴿ بكلمة منه ﴾. ونعلم أن كل شيء لا يكون إلا بكلمة منه سبحانه، ولكن بكلمة لها أسباب، أو بكلمة لا أسباب لها. والكلمات هي أيضا الآيات التي فيها منهج الأحكام، ولذلك يأتي قوله الحق:

قولوا آمنا بالله ومآ أنزل إلينا ومآ أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط ومآ أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون

[البقرة: 136]. ويروي لنا الأثر أن سيدنا موسى عليه السلام قال لربه: " أني أجد في الألواح أمة يؤمنون بالكتاب الأول وبالكتاب الآخر ويقاتلون فصول الضلالة حتى يقاتلوا الأعور الكذاب، فاجعلهم أمتي قال: تلك أمة أحمد ".

وقول موسى آمنوا بالكتاب الأول وبالكتاب الآخر، هو الذي يدل عليه قول الحق سبحانه:

قولوا آمنا بالله ومآ أنزل إلينا ومآ أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط..

[البقرة: 136]. ويذيل الحق الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها بقوله: ﴿ واتبعوه لعلكم تهتدون ﴾. و " لعل " رجاء وطلب. ونعلم أن كل طلب يتعلق بأحد أمرين: إما طلب لمحال لكنك تطلبه لتدل بذلك على أنك تحبه، وهو لون من التمني مثل قول من قال: ليت الشباب يعود يوما، إنه يعلم أن الشباب لا يعود لكنه يقول ذلك ليشعرك بأنه يحب الشباب. أو كقول إنسان: ليت الكواكب تدنو لي فأنظمها عقود مدح، وهذا طلب لمحال، إلا أنه يريد أن يشعرك بأن هذا أمر يحبه، وإما طلب ممكن التحقيق. وهو ما يسمى بالرجاء. وله مراحل: فأنت حين ترجو لإنسان كذا، تقول: لعل فلانا يعطيك كذا، والإدخال في باب الرجاء أن تقول: لعلي أعطيك لأن الرجاء منك أنت، وأنت الذي تقوله، ومع ذلك قد لا تستطيع تحقيقه، والأقوى أن تقول: لعل الله يعطيك. ولكنها من كلامك أنت فقد يستجيب الله لك وقد لا يستجيب، أما إذا قال الله: لعلكم، فهذا أرجي الرجاءات، ولا بد أن يتحقق. وحينما يتكلم الحق عن قوم موسى، يتكلم عنهم بعرض قصصهم، وفضائحهم ونقضهم للعهد بعد نعم الله الواسعة الكثيرة عليهم، وأوضح لنا: إياكم أن تأخذوا هذا الحكم عاما لأن الحكم لو كان عاما، لما وجد من أمة موسى من يؤمن بمحمد. ولذلك قلنا قديما إن هناك ما يسمى " صيانة الاحتمال ". ومثال على ذلك نجد من اليهود من آمنوا برسالة رسول الله مثل مخريق الذي قال فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:

" مخريق خير يهود "

وعبد الله بن سلام إن بعض اليهود كانوا مشغولين بقضية الإيمان، ولذلك لا تأخذ المسألة كحكم عام لأن من قوم موسى من يصفهم الحق بالقول الكريم: ﴿ ومن قوم موسى أمة... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٩١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٩١١