تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

محمد رسول الله والذين معه أشدآء على الكفار رحمآء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما

[الفتح: 29]. لقد جاء الحق بصورة المؤمنين برسالة رسول الله في التوراة والإنجيل، لأن الدين الإسلامي الذي نزل على محمد لن يأتي دين بعده لذلك جاء بسيرة رسول الله وصفاته وصفات أتباعه في التوراة والإنجيل، وفي هذا الدين ما تفتقده اليهودية التي انجرفت إلى مادية صرفة وتركت الروحانيات لذلك تأتي سيرة أتباع محمد في التوراة: ﴿ سيماهم في وجوههم من أثر السجود ﴾.

حين أسرف اليهود في المادية أراد الله أن يأتي برسول يجنح ويميل إلى الروحانية وهو سيدنا عيسى بن مريم عليه السلام.. ليحصل الاعتدال في تناول الحياة دون إفراط أو تفريط. إذن فالحق سبحانه وتعالى مهد لكل رسول بأن يبشر به الرسول السابق لأنه لا معاندات في الرسالات. ولما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو خاتم الموكب الرسالي، كان ولا بد أن يصفه الله - سبحانه - وصفا ليس بالكلام، بل يصفه كصورة، بحيث إذا رأوه يعرفونه، ولذلك نجد سيدنا سلمان الفارسي حين رأى رسول الله في المدينة ورأى منه علامات كثيرة أحب أن يرى فيه علامات مادية، فرأى في كتف الرسول خاتم النبوة. ولكن هل نفع ذلك؟ نعم، فكثير من الناس آمن به.

" وقد أقام رسول الله مناظرة بينه وبين اليهود بواسطة عبد الله بن سلام، الذي قال بعد أن أسلم بين يدي رسول الله: " يا رسول الله إن اليهود قوم بهت إن علموا بإسلامي قبل أن تسألهم بهتوني عندك، فجاءت اليهود ودخل عبد الله البيت، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أي رجل فيكم عبد الله بن سلام؟ قالوا: أعلمنا وابن أعلمنا وأخيرنا وابن أخيرنا. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أفرأيتم إن أسلم عبد الله؟ قالوا: أعاذه الله من ذلك؟ فخرج عبد الله إليهم، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله. فقالوا: شرنا وابن شرنا ووقعوا فيه ".

إذن فالأوصاف الكلامية والأوصاف الشخصية المشخصة جاءت حتى لا يقال: إن أديان السماء تتعاند، إنها كلها متكاتفة في أن تصل الأرض بالسماء على ما تقتضيه حالة العصر زمانا ومكانا. وقديما كان العالم معزولا عن بعضه، وكل بيئة لها أجواؤها وداءاتها فيأتي الرسول ليعالج في مكان خاص داءات خاصة، لكن الله جاء برسوله صلى الله عليه وسلم بعد أن توحدت هذه الداءات في الدنيا جاء رسولنا الكريم ليعالج هذه الداءات العالمية، وجاء رسول الله مؤيدا بأوصافه ومؤيدا بتعاليمه التي تخفف عنهم إصرهم وأغلالهم، والإصر هو الحمل الثقيل، والأغلال جمع غل وهو الحديدة التي تجمع اليدين إلى العنق لتقييد الحركة. وقد ذكر الحق الأوصاف ومهد الأذهان إلى مجيء رسالة محمد صلى الله عليه وسلم ليضع عنهم الأغلال بالنور الذي نزل على محمد صلى الله عليه وسلم، فالرسالة المحمدية هي الجامعة المانعة، ولذلك يقول الحق بعد ذلك: ﴿ قل يأيها الناس... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٩٠٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٩٠٩