تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم * طلعها كأنه رءوس الشياطين

[الصافات: 64-65]. فكيف توجد شجرة في الجحيم، إنها أشياء متناقضة لأن الشجرة فيها خضرة، وتحتاج إلى ري، ومائية، والجحيم نار وجفاف، ثم إن الشيطان غير معلوم الصورة للبشر، وشجرة الزقوم غير معلومة لأنها ستأتي في الآخرة، فكيف يشبه الله مجهولا بمجهول.

واستخدم المستشرقون ذلك كدليل على أن المسلمين يأخذون القرآن بانبهار ولا يبحثون فيه، ونرد عليهم: أنتم لا تعلمون لغة العرب كملكة، بل عرفتموها صناعة، ولم تتفهموا حقيقة أن القرآن جاء على لغة العرب. وقد تخيلت لغة العرب أشياء رأت فيها البشاعة والقبح كأن قالوا: " ومسنونة زرق كأنياب أغوال " ، والغول كائن غير موجود، لكنهم تخيلوا الغول المخيف وأن له أنيابا.. إلخ. إذن التشبيه قد يكون للأمر المتخيل في أذهان الناس، والأصل في التشبيه أن يلحق مجهولا ليعلم، وشجرة الزقوم لا نعرفها، ورءوس الشياطين لم نرها، وهكذا ألحق الله مجهولا بمجهول، ولماذا لم يأت بها في صورة معلومة؟. لأنه - سبحانه - يريد أن يشيع البيان، ويعمم الفائدة ويرببها لأن الإخافة تتطلب مخيفا، والمخيف يختلف باختلاف الرائين، فقد يوجد شيء يخيفك، ولكنه لا يخيف غيرك، وقد تستقبح أنت شيئا، ولكن غيرك لا يستقبحه، ولذلك ضربنا - سابقا - مثلا. وقلنا: لو أننا أحضرنا من كبار رسامي الكاريكاتور في العالم، وقلنا لهم: ارسموا لنا صورة الشيطان تخيلوا الشيطان وارسموه، أيتفقون على شكل واحد فيه؟ لا لأن كل رسام سيرسم من وحي ما يخيفه هو. ولقد قال الله في صورة: شجرة الزقوم ﴿ طلعها كأنه رءوس الشياطين ﴾ ليتخيل كل سامع ما يخيفه من صورة الشيطان، فتكون الفائدة عامة من التخويف من تلك الشجرة. لكنه لو قالها بصورة واحدة لأخاف قوما ولم يخف الآخرين. ومثال ذلك أمر عصا موسى، فهي مرة ثعبان، ومرة جان، ومرة حية، وكلها صور لشيء واحد مخيف، ويقول الحق هنا في سورة الأعراف: ﴿ فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ﴾. وقوله: ﴿ فإذا هي ﴾ يوضح الفجائية التي أذهلت فرعون، فقد تحولت العصا إلى ثعبان ضخم في لمح البصر بمجرد إلقائها، ومن فوائد تدريب سيدنا موسى على إلقاء العصا في طور سيناء أن موسى لن تأخذه المفاجأة حين يلقيها أمام فرعون، بل ستأخذ المفاجأة فرعون. كأن التدريب أولا لإقناع موسى وضمان عدم خوفه في لحظة التنفيذ، وقد خاف منها موسى لحظة التدريب لأن العصا صارت ثعبانا وحية حقيقية، ولو كانت من نوع السحر لظلت عصا في عين الساحر ولا يخاف منها، إذن خوفه منها إبان التدريب دليل على أنها انقلبت حقيقة، لا تخيلا، وتلك هي مخالفة المعجزة للسحر، فالمعجزة حقيقة والسحر تخييل، وهذا هو الذي سيجعل السحرة يخرون ساجدين لأنهم قد ذهلوا مما حدث. ﴿ فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ﴾ [الأعراف: 107]. و " مبين " أي بين، وواضحة ملامحه المخيفة التي لا تخفى على أحد، ويقدم موسى عليه السلام الآية الثانية، فيقول الحق: ﴿ ونزع يده فإذا... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٨٥٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٨٥٩