تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ألم تقرأ قول الله سبحانه:

ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا

[مريم: 62]. وليس في الآخرة بكرة ولا عشى، إذن سبحانه قد قدر البكرة وقدر العشي، وكذلك ﴿ في ستة أيام ﴾ وتلك هي الآيات المحكمات في القرآن بالنسبة لزمن الخلق ستة أيام، ولكن آية التفصيل للخلق، جاءت في ظاهر الأمر أنها ثمانية أيام. اقرأ معي:

قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين * وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيهآ أقواتها في أربعة أيام سوآء للسآئلين * ثم استوى إلى السمآء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتآ أتينا طآئعين * فقضاهن سبع سماوات في يومين..

[فصلت: 9-12]. والظاهر من آية التفصيل أنها ثمانية أيام، أما آيات الإجمال فكلها تقول: إنها ستة أيام، ومن هذه النقطة دخل المستشرقون، وادعوا زورا أن القرآن فيه اختلاف، وحالوا أن يجعلوها ضجة عالية. ونقول: إنه - سبحانه - خلق الأرض وما فيها في أربعة أيام كاملة بلا زيادة ولا نقصان، فالمراد أن ذلك حصل وتم في تتمة أربعة أيام ويضم إليها خلق السموات في يومين فيكون عدد الأيام التي تم فيها خلق السموات والأرض ستة أيام أو نحمل المفصل على المجمل، فحين يقول الحق: ﴿ إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام.. ﴾ [الأعراف: 54]. فهل خلق الله يحتاج إلى علاج حتى يتطلب الزمن الممتد؟.. إن ربنا يخلق ب " كن " ، ونحن البشر نعالج على حسب قدرتنا لنخلق شيئا، وكل عملية نقوم بها تأخذ زمنا، لكن من يخلق بكلمة " كن " فالأمر بالنسبة له هين جدا - سبحانه وتعالى - لكن لماذا جاء بخبر الخلق في ستة أيام؟ نعلم أن هناك فرقا بين ميلاد الشيء وبين تهيئته للميلاد. وكنا قد ضربنا المثل سابقا - ولله المثل الأعلى - بصانع الزبادي، الذي يأتي بأكواب اللبن الدافئ، ثم يضع في كل منها جزءا من خميرة الزبادي، ويضع تلك الأكواب في الجو المناسب. فهل يؤدي هذا الرجل عملا لمدة أثنتي عشرة ساعة في كل كوب، وهي المدة اللازمة لتخمر الكوب؟.. طبعا لا، فقد اكتفى بأن في كل كوب عناصر التخمر لتتفاعل بذاتها إلى أن تنضج. ولننظر إلى خلق الجنين من تزاوج بويضة وحيوان منوي. ويأخذ الأمر تسعة شهور وسبحانه جل وعلا لا يعمل في خلق الجنين تسعة شهور، لكنه يترك الأمر ليأخذ مراحل تفاعلاته. إذن فخلق الله السموات والأرض في ستة أيام لا يعني أن الستة أيام كلها كانت مشغولة بالخلق، بل قال سبحانه: " كن " وبعد ذلك ترك مكونات السماوات والأرض لتأخذ قدرها ومراحلها لأن ميلادها سيكون بعد ستة أيام.

وفي القرآن آية من الآيات أعطتنا لمحة عن هذه المسألة، فقال سبحانه:

ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب

[ق: 38]. أي خلق سبحانه السماوات والأرض دون تعب لأنه لا يعالج مسألة الخلق، بل إنما يحدث ذلك بأمر " كن " فكانت السماوات والأرض. والآية التي بعدها فورا تقول:

فاصبر على ما يقولون..

[ق: 39]. وكأن قوله سبحانه هنا جاء لتسلية الرسول صلى الله عليه وسلم موضحا له: إنهم يكذبونك وقد ترغب في أن نأخذهم أخذ عزيز مقتدر. لكن الحق جعل لكل مسألة كتابا، فهو قد خلق السماء والأرض في ستة أيام. ونحن في حياتنا نقول لمن يتعجل أمرا: يا سيدي إن ربنا خلق السماء والأرض في ستة أيام. فلا تتعجل الأمور. إذن كان ربنا هو القادر على أن ينجز خلق السماء والأرض في لحظة، لكنه أمر " بكن " وترك المواد تتفاعل لستة أيام. ولماذا لا نقول: جاء بكل ذلك ليعلمنا التأني، وألا نتعجل الأشياء؟ لأنه وهو القادر على إبراز السماوات والأرض في لحظة، خلقها في ستة أيام، ولذلك قال سبحانه:

فاصبر على ما يقولون..

[ق: 39]. أي لا ترهق نفسك لأنه سبحانه خلق السماء والأرض في ستة أيام، وسيأتي لهؤلاء الجاحدين يومهم الذي يؤاخذون فيه بسوء أعمالهم وسوف يأتي حتما. وهناك من يتساءل: كيف خلق الكون بما فيه من الرواسي والكائنات؟.. ونقول: إنه الإنجاز الذي أخبر به سبحانه مرة واحدة، وانفعلت الكائنات للقدرة مرة واحدة، وتعددت استدامة انفعالات السامع لقدرة الله، في كل جزئية من جزئيات الفعل، وأخذ الأمر ستة أيام. واستقر الأمر بعد ذلك واستتب، وسبحانه يقول: ﴿ ثم استوى على العرش.. ﴾ [الأعراف: 54]. ولا بد أن نعرف العرش ما هو. وسبحانه يقول في ملكة سبأ:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٨٠٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٨٠٧