ولها عرش عظيم
[النمل: 23]. فالعرش إذن هو سرير الملك لأن الملك لا يجلس على العرش إلا بعد إن تستقر الأمور. فكأن قوله: ﴿ استوى على العرش ﴾ كناية عن تمام الأمور وخلقها وانتهت المسألة. لكن العلماء حين جاءوا في ﴿ استوى ﴾ ، اختلفوا في فهمها لأن العرش لو كان كرسيا يجلس عليه الله، لكان في ذلك تحييز لله ووضعه وضمه في جرم ما. وسبحانه منزه عن أن يحيزه شيء. ولذلك أخذ العلماء يتلمسون معاني لكلمة ﴿ استوى ﴾ منهم من قال: إن معناها هو قصد إليها بخلقه واختراعه، ومنهم من قال: المقصود بها أنه استعلى وارتفع أمره، ومنهم من قال: " صعد " أمره إلى السماء واستند إلى قوله الحق:
ثم استوى إلى السمآء وهي دخان..
[فصلت: 11]. وكلها معان متقاربة. وجماعة من العلماء أرادوا أن يخرجوا من التشبيهات فقالوا: المقصود ب " استوى " أنه استوى على الوجود، ولذلك رأوا أن وجود العرش والجلوس عليه هو سمة لاستقرار الملك.
وحتى لا ندخل في متاهات التشبيهات، أو متاهات التعطيل نقول: علينا أن نأخذ كل شيء منسوب إلى الله في إطار:
ليس كمثله شيء..
[الشورى: 11]. فحين يقول سبحانه:
يد الله فوق أيديهم..
[الفتح: 10]. ونحن نفهم أن لليد مدلولا، والقرآن لغة عربية يخاطبنا بها سبحانه، فالقول أن لله يدا فهذا دليل على قدرته. واستخدام الحق كلمة اليد هنا كناية عن القدرة. والإنسان عليه أن يأخذ كل شيء منسوب إلى الله مما يوجد مثله في البشر، في إطار " ليس كمثله شيء " ، فنقول: سبحانه له يد ليست كيد البشر، وله وجود لكنه ليس كوجود البشر، وله عين ليست كعيون البشر. وله وجه ليس كوجه أحد من البشر. ولذلك حينما سئل سيدنا الإمام مالك عن هذه المسألة قال لمن سأله: " الاستواء معلوم والكيف مجهول والسؤال عنه بدعة " وأراك رجل سوء! أخرجوه. نعم السؤال عنه بدعة لأنه يدخل بنا في متاهة التشبيه ومتاهة التعطيل، وهل سأل أحد من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن معنى الاستواء؟.. لا لأنهم فهموا المعنى، ولم يعلق شيء من معناها في أذهانهم حتى يسألوا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم. إنهم فهموها بفطرتهم التي فطرهم الله عليها في إطار ما يليق بجلال الله وكماله. وإن قال قائل: أرسول الله كان يعلم المعنى أم لا يعلم؟.. إن كان يعلم لأخبرنا بها، وإن لم يخبرنا فقد أراد أن يكتمها. وإن لم يكن قد علم الأمر.. فهل تطلب لنفسك أن تعلم ما لم يعلمه صلى الله عليه وسلم؟ أو أنه صلى الله عليه وسلم ترك لكل واحد أن يفهم ما يريد ولكن في إطار " ليس كمثله شيء " والذين يمنعون التأويل يقولون: إياك أن تؤول اليد بالقدرة لأنه إن قال: إن له يدا، فقل ليست كأيدينا في إطار " ليس كمثله شيء " لأنه سبحانه له حياة، وأنت لك حياة، أحياته كحياتك؟. لا، فلماذا إذن تجعل يده مثل يدك؟.. إذن لابد أن ندخل على كل صفة لله فننفي عنها التعطيل وننفي عنها التشبيه. ثم إن من يمنعون التأويل نقول لكل منهم: أنت ستضطر أخيرا إلى أن تؤول لأن الحق يقول:
كل شيء هالك إلا وجهه..
[القصص: 88]. وما دام " كل شيء هالك إلا وجهه " فكل ما يطلق عليه شيء يهلك، ويبقى وجهه سبحانه فقط، فلو أنت قلت الوجه هو هذا الوجه، فكأن يده تهلك ورجله تهلك وصدره يهلك، وحاشا لله أن يحدث ذلك. وتكون قد دخلت في متاهة ما لها من آخر. لذلك نقول: لنأخذ النص وندخله في إطار " ليس كمثله شيء ".
وآية الاستواء على العرش هذه، مذكورة في سور كثيرة، وهي تحديدا في " سبعة مواضع " في سورة الأعراف التي نحن بصددها، وسورة يونس، وسورة الرعد، وسورة طه، وسورة الفرقان، وسورة السجدة، وسورة الحديد. وهنا يقول الحق بعد الحديث عن الاستواء على العرش: ﴿ يغشي اليل النهار ﴾. الله - سبحانه - قد خلق السماء والأرض للخليفة في الأرض وهيأ له فيها أصول الحياة الضرورية ودله على ما يحتاج إليه، فماذا سيفعل هذا الخليفة؟.. لا بد أن يقوم بكل مقومات الحياة، وإذا ما عمل فسيبذل جهدا، والجهد يقتضي راحة. ومن يشتغل ساعة لا بد أن يرتاح ساعة. وإن اشتغل ساعتين ولم يسترح ساعة غلب على نفسه. ونحن نرى في الآلة التي تعمل ثلاث ورديات يوميا أي التي تعمل لمدة الأربع والعشرين ساعة دون توقف أنها تستهلك أكثر من الآلة التي تعمل ورديتين، والآلة التي تعمل وردية واحدة أي لمدة ثماني ساعات يطول عمرها أكثر. وكل إنسان يحتاج إلى الراحة. فشاء الحق سبحانه وتعالى أن يبين لنا أن الليل والنهار متعاقبان من أجل هذا الهدف: