تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن..

[الطلاق: 12]. فكما خلق سبع سموات خلق سبع أراضين، ولماذا جاء بالسماء بالجمع وترك لفظ الأرض مفردا؟.. لماذا لم يقل: سبع أراضين؟ لأن كلمة " أراضين " ثقيلة على اللسان فتركها لثقلها وأتى بالسموات مجموعة لخفتها ويسر نطقها. والسماء هي كل ما علاك فأظلك، هذا معنى السماء في اللغة. لكن هل السماء التي يريدها الله هي كل ما علاك؟.. إن النجم هو ما علاك وقد يقال: إن الشمس علتك، والقمر علانا جميعا. ونلفت الانتباه هنا ونقول للناس الذين أحبوا أن يجعلوا السماوات هي الكواكب إنها ليست دائما ما علانا فالشمس تعلو وقتا وتنخفض وقتا آخر. وكذلك القمر. إذن فالوصف منحسر عن الشمس أو القمر بعض الوقت، ولا يصح أن يوصف أي منهما بأنه سماء دائما. وشيء آخر وهو أنهم حينما قالوا على الكواكب التي كانت معروفة بأنها كواكب سبعة وقالوا: إن هذه هي السماء، إنهم بقولهم هذا قد وقعوا في خطأ. وأوضح الحق لنا بالعلم أن للشمس توابع أخرى. فمرة رأى العلماء ثمانية توابع، ومرة تسعة، وأخرى عشرة توابع، وهكذا انهدمت فكرة أن التوابع هي السماء، وبقيت السماء هي ما فوق هذا كله، والحق هو القائل:

إنا زينا السمآء الدنيا بزينة الكواكب

[الصافات: 6]. هذه - إذن - زينة للسماء الدنيا، والسماء التي يقصدها ربنا ليست هي التي يقولون عليها، بل السماء خلق آخر لا يمكن لأحد أن يصل إليه، وكان الجن قديما يقعدون منها مقاعد للسمع ﴿ فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا ﴾. وحدث هذا بعد بعثته صلى الله عليه وسلم والحق هو من قال لنا ذلك. ولم يوضح الحق لنا حقيقة هذه السماء ونظامها، أي أن ربنا يريد لعقولنا أن تفهم هذا القدر فحسب، وسبحانه خالق السماء التي فوقنا، وهو جل وعلا خالق أراضين. وأين هي هذه الأراضين؟.. أهي أراضين مبعثرة؟ ولقد أثبت العلم أن كل مجرة من المجرات فيها مليون مجموعة شمسية، وكل مجموعة شمسية فيها أرض، إذن فهناك أراض عديدة، ونلحظ أن الحق سبحانه حين يتكلم عن الأرض فكل مخاطب بالأرض التي هو فيها، ولذلك قال بعض العلماء: إن في هذا العالم العالي توجد أراض، وكل أرض أرسل لهم الحق رسولا. والحق هو القائل:

ومن آياته خلق السماوات والأرض وما بث فيهما من دآبة وهو على جمعهم إذا يشآء قدير

[الشورى: 29]. ويعطينا العلم كل يوم مزيدا من الاكتشافات. وهكذا تكون السماء هي كل ما علاك والأرض كل ما أقلك. وما دامت سبع سماوات والسماء الأولى فراغ كبير وفضاء، وتأتي بعدها السماء الثانية تظل السماء الأولى، وكل سماء فيها أرض وفيها سماء أخرى. ونحن غير مكلفين بهذا، نحن مكلفون بأن نعلم أن الأرض التي نحن عليها مخلوقة لله. والحق يقول: ﴿ خلق السماوات والأرض في ستة أيام.. ﴾ [الأعراف: 54]. وقوله: ﴿ في ستة أيام ﴾ هو ظرف للخلق. واليوم نعرف أنه المدة من طلوع الشمس إلى الغروب ثم إلى الشروق ومدته أربع وعشرون ساعة. لكن لا بد لنا أن نعرف بعضا من اصطلاحات الحق القرآنية. فهو يقول سبحانه وتعالى:

سيروا فيها ليالي وأياما آمنين

[سبأ: 18]. أي هناك ليل وهناك يوم، إذن فاليوم عند الحق غير اليوم عندنا لأننا نطلق اليوم على المدة الزمنية من طلوع الشمس إلى غروبها وشروقها من جديد. هكذا يكون اليوم في العرف الفلكي: من شروق إلى شروق، أو من غروب إلى غروب، وقول الحق: ﴿ سيروا فيها ليالي وأياما آمنين ﴾. يعني أنه سبحانه قد جعل الليل قسما والنهار قسما، وهل كان هناك من عرف اليوم إلا بعد أن وجدت الشمس؟.. وإذا كانت الشمس هي التي تحدد اليوم فكيف عرف اليوم قبلها وخصوصا أن السماء والأرض حينما خلقتا لم تكن هناك شمس أو كواكب؟.. وعلينا هنا أن نعرف أن هذا هو تقديره سبحانه وقد خاطبنا به بعد أن خلقه، وخاطبنا به بعد أن عرفنا مدة اليوم.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٨٠٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٨٠٦