تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين

[ص: 82]. إذن ففتنة الشيطان إنما جاءت لتخرج خلق الله عن منهج الله، وحينما عصى إبليس ربه عز عليه ذلك، فبعد أن كان في قمة الطاعة صار عاصيا لأمر الله معصية أدته وأوصلته إلى الكفر لأنه رد الحكم على الله. إن ذلك قد أوغر صدره وأحنقه، وجعله يوغل ويسرف في عداوة الإنسان لأنه عرف أن طرده ولعنه كان بسبب آدم وذريته. ﴿ إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم.. ﴾ [الأعراف: 27]. وهذا يدل على أن المراد ذرية الشيطان، فلو كان المراد شياطين الإنس معهم لما قال: ﴿ إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم ﴾. وعلى ذلك فهذه الآية خاصة بالذرية، ويعلمنا الحق سبحانه وتعالى أن نتنبه إلى أن الشيطان لن يكتفي بنفسه ولن يكتفي بالذرية بل سيزين لقوم من البشر أن يكونوا شياطين الإنس كما وجد شياطين الجن، وهم من قال فيهم سبحانه:

وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا..

[الأنعام: 112]. وكلمة ﴿ زخرف القول ﴾ تعني الاستمالة التي تجعل الإنسان يرتكب المعصية وينفعل لها، ويتأثر بزخارف القول. وكل معصية في الكون هكذا تبدأ من زخرف القول، فللباطل دعاته، ومروجوه، ومعلنوه، إنهم يزينون للإنسان بعض شهواته التي تصرفه عن منهج الله، ونلاحظ أن أعداء الله، وأعداء منهج الله يترصدون مواسم الإيمان في البشر، فإذا ما جاء موسم الإيمان خاف أعداء الله أن يمر الموسم تاركا هبة إيمان في نفوس الناس، فيحاولوا أن يكتلوا جهودهم حتى يحرموا الناس نفحة الموسم، فإذا ما حرموا الناس من نفحة الموسم فقد حققوا غرضهم في العداوة للإسلام.

﴿ إنه يراكم هو وقبيله ﴾. إن الشيطان يراكم أيها المكلفون هو وقبيله. والقبيل تدل على جماعة أقلها ثلاثة من أجناس مختلفة أو جماعة ينتسبون إلى أب وأم واحدة. واختلف العلماء حول المراد من هذا القول الكريم فقال قوم: " إنهم جنوده وذريته ". ويقصدون جنوده من البشر، ولم يلتفتوا إلى قول الحق: ﴿ من حيث لا ترونهم ﴾ فلا بد أن يكون المراد بالقبيل هنا الذرية لأننا نرى البشر، وفي قوله الحق تغليظ لشدة الحذر والتنبه لأن العدو الذي تراه تستطيع أن تدفع ضرره، ولكن العدو الذي يراك ولا تراه عداوته شديدة وكيده أشد، والجن يرانا ولا نراه، وبعض من العلماء علل ذلك لأننا مخلوقون من طين وهو كثيف، وهم مخلوقون من نار وهي شفيفة. فالشفيف يستطيع أن يؤثر في الكثيف، بدليل أننا نحس حرارة النار وبيننا وبينها جدار، ولكن الكثيف لا يستطيع أن يؤثر في الشفيف ولا ينفذ منه. إذن فنفوذ الجن وشفافيته أكثر من شفافية الإنسان، ولذلك أخذ خفة حركته. ونحن لا نراه. إذن معنى ذلك أن الشيطان لا يرى، ولكن إذا كان ثبت في الآثار الصحيحة أن الشيطان قد رئى وهو من نار، والملائكة من نور، والاثنان كل منهما جنس خفي مستور، وقد تشكل الملك بهيئة إنسان، وجاء لرسول الله وقال لنا صلى الله عليه وسلم:

" هذا جبريل جاء ليعلم الناس دينهم ".

وعلى ذلك رأى السابقون المعاصرون لرسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل لا على صورة ملائكيته، ولكن على صورة تتسق مع جنس البشر، فيتمثل لهم مادة.

" وقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى الشيطان وقال: " إن عفريتا من الجن جعل يفتك علي البارحة ليقطع علي الصلاة، وإن الله أمكنني منه فذعته فلقد هممت أن أربطه إلى جنب سارية من سوراي المسجد حتى تصبحوا تنظرون إليه أجمعون ".

وذلك من أدب النبوة. إذن فالشيطان يتمثل وأنت لا تراه على حقيقته، فإذا ما أرادك أن تراه.. فهو يظهر على صورة مادية. وقد ناقش العلماء هذا الأمر نقاشا يدل على حرصهم على فهم كتاب الله، ويدل على حرصهم على تجلية مراداته وأسراره، فقال بعضهم: حين يقول الله إن الشيطان يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم، لابد أن نقول: إننا لن نراه. وأقول: إن الإنسان إن رأى الجني فلن يراه على صورته، بل على صورة مادية يتشكل بها، وهذه الصورة تتسق وتتفق مع بشرية الإنسان لأن الجني لو تصور بصورة مادية كإنسان أو حيوان أو شيء آخر يمكن أن يراه الإنسان، وحينئذ لفقدنا الوثوق بشخص من نراه، هل هو الشيء الذي نعرفه أو هو شيطان قد تمثل به؟ إن الوثوق من معرفة الأشخاص أمر ضروري لحركة الحياة، وحركة المجتمع لأنك لا تعطف على ابنك إلا لأنك تعلم أنه ابنك ومحسوب عليك، ولا تثق في صديقك إلا إذا عرفت أنه صديقك.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٧٧٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٧٧٧