تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولا تأخذ علما إلا من عالم تثق به. وهب أن الشيطان يتمثل بصورة شخص تعرفه، وهنا سيشكك هذا الشيطان ويمنع عنك الوثوق بالشخص الذي يتمثل في صورته. وأيضا أعدى أعداء الشيطان هم الذين يبصرون بمنهج الله وهم العلماء، فما الذي يمنع أن يتشكل الشيطان بصورة عالم موثوق في علمه، ثم يقول كلاما مناقضا لمنهج الله؟. إذن فالشيطان لا يتمثل، هكذا قال بعض العلماء، ونقول لهم: أنتم فهمتم أن الشيطان حين يتمثل، يتمثل تمثلا استمراريا، لا. هو يتمثل تمثل الومضة لأن الشيطان يعلم أنه لو تشكل بصورة إنسان أو بصورة مادية لحكمته الصورة التي انتقل إليها، وإذا حكمته الصورة التي انتقل إليها فقد يقتله من يملك سلاحا، إنه يخاف منا أكثر مما نخاف منه، ويخاف أن يظهر ظهورا استمراريا لذلك يختار التمثل كومضة، ثم يختفي، والإنسان إذا تأمل الجني المشكل. سيجد فيه شيئا مخالفا، كأن يتمثل - مثلا - في هيئة رجل له ساق عنزة لتلتفت إليه كومضة ويختفي لأنه يخاف أن تكون قد عرفت أن الصورة التي يتشكل بها تحكمه. وإذا عرفت ذلك أمكنك أن تصرعه. ويتابع الحق سبحانه: ﴿ إنا جعلنا الشياطين أوليآء للذين لا يؤمنون ﴾ [الأعراف: 27]. والشياطين من جعل الله، وسبحانه خلى بينهم وبين الذين يريدون أن يفتنوهم وإلا لو أراد الله منعهم من أن يفتنوهم. لفعل.. إذن فكل شيء في الوجود، أو كل حدث في الوجود يحتاج إلى أمرين: طاقة تفعل الفعل، وداع لفعل الفعل. فإذا ما كانت عند الإنسان الطاقة للفعل، والداعي إلى الفعل، فإبراز الفعل في الصورة النهائية نستمدها من عطاء الله من الطاقة التي منحها الله للإنسان. فأنت تقول: العامل النساج نسج قطعة من القماش في غاية الدقة، ونقول: إن العامل لم ينسج، وإنما الآلة، والآلة لم تنسج، لكن الصانع الذي صنعها أرادها كذلك، والصانع لم يصممها الا بالعالم الذي ابتكر قانون الحركة بها. إذن فالعامل قد وجه الطاقة المخلوقة للمهندس في أن تعمل، واعتمد على طاقة المهندس الذي صنعها في المصنع، والمهندس اعتمد على طاقة الابتكار وعلى العالم الذي ابتكر قانون الحركة، والعالم قد ابتكرها بعقل خلقه الله، وفي مادة خلقها الله. إذن فكل شيء يعود إلى الله فعلا لأنه خالق الطاقة، وخالق من يستعمل الطاقة، والإنسان يوجه الطاقة فقط، فإذا قلت: العامل نسج يصح قولك، وإذا قلت: الآلة نسجت، صح قولك، وإذا قلت: إن المصنع هو الذي نسج صح قولك.

إذن فالمسألة كلها مردها في الفعل إلى الله، وأنت وجهت الطاقة المخلوقة لله بالقدرة المخلوقة لله في فعل أمر من الأمور. فإذا قال الله ﴿ إنا جعلنا الشياطين ﴾ أي خلينا بينهم وبين المفتونين بهم، غير أننا لو أردنا ألا يفتنوا أحدا لما فتنوه. وهذا ما فهمه إبليس.

لأغوينهم أجمعين * إلا عبادك منهم المخلصين

[ص: 82-83]. إذن من يريده الله معصوما لا يستطيع الشيطان أن يغويه، وتعلم الشياطين أن الله خلى بينهم في الاختيار، وهذه اسمها تخلية ولذلك لا معركة بين العلماء. فمنهجهم أن الطاقة مخلوقة لله، ونسب كل فعل إلى الله، ومنهم من رأى أن موجه الطاقة من البشر فينسب الفعل للبشر، ومنهم من رأى طلاقة قدرة الله في أنه الفاعل لكل شيء، ومنهم من قال: إن الإنسان هو الذي فعل المعصية.. أي أنه وجه الطاقة إلى عمل والطاقة صالحة له، فربنا يعذبه على توجيه الطاقة للفعل الضار ولا خلاف بينهم جميعا. ﴿ إنا جعلنا الشياطين أوليآء للذين لا يؤمنون ﴾ [الأعراف: 27]. إذن جعل الله الشياطين أولياء لمن لم يؤمن، ولكن الذي آمن لا يتخذه الشيطان وليا. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿ وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٧٧٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٧٧٨