ثم اجتباه ربه
[طه: 122]. إذن فالاصطفاء جاء بعد المعصية لأن عصيانه كان أمرا طبيعيا لأنه بشر، يخطئ ويصيب، ويسهو ويغفل. ولكن بعد أن خرج من الجنة اجتباه الله ليكون نبيا ورسولا، وما دام قد صار نبيا ورسولا فالعصمة تأتي له:
ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى
[طه: 122] إذن لا يصح لنا أن نقول: كيف يعصي آدم وهو نبي؟! نقول: تنبه إلى أن النبوة لم تأته إلا بعد أن عصى وتاب فهو يمثل مرحلة البشرية لأنه أبو البشرية كلها، والبشرية منقسمة إلى قسمين: بشر مبلغون عن الله، وأنبياء يبلغون عن الله، فله في البشرية أنه عصى، وله في النبوة أن ربه قد اجتباه فتاب عليه وهداه. والذين يقولون: إن آدم كان مخلوقا للجنة، نقول لهم: لا. افهموا عن الله، لأنه يقول: ﴿ إني جاعل في الأرض خليفة ﴾. إن أمر الجنة كان مرحلة من المراحل التي سبقت الخلافة في الأرض. إنها كانت تدريبا على المهمة التي سيقوم بها في الأرض، والا فلو أن آدم قد خلقه الله للجنة وأن المعصية أخرجته، إلا أن الله قد قبل منه توبته، وما دام قبل توبته فكان يجب أن يبقيه في الجنة، ومن هنا نقول ونؤكد أن الجنة كانت مرحلة من المراحل التي سبقت الخلافة في الأرض. وبعد ذلك يريد الحق سبحانه وتعالى أن يخلع علينا التجربة لآدم حتى نتعظ بها، وأن نعرف عداوة الشيطان لنا، وألا نقع في الفتنة كما وقع آدم. ﴿ يابني ءادم لا يفتننكم الشيطان كمآ أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوءاتهمآ.. ﴾ [الأعراف: 27]. وهذا نهي لبني آدم وليس نهيا للشيطان، وهذا في مكنة الإنسان أن يفعل أو لا يفعل، فسبحانه لا ينهى الإنسان عن شيء ليس في مكنته، بل ينهاه عما في مكنته، والشيطان قد أقسم أن يفتنه وسيفعل ذلك لأنه أقسم وقال: ﴿ فبعزتك لأغوينهم أجمعين ﴾. فإياكم أن تنخدعوا بفتنة الشيطان لأن أمره مع أبيكم واضح، ويجب أن تنسحب تجربته مع أبيكم عليكم فلا يفتننكم كما أخرج أبويكم من الجنة، ويتساءل البعض: لماذا لم يقل الله: لا يفتننكم الشيطان كما فتن أبويكم، وقال: ﴿ لا يفتننكم الشيطان كمآ أخرج أبويكم من الجنة ﴾؟. ونقول هذا هو السمو والافتنان الراقي في الأداء البياني للقرآن. وإن هذا تحذير من فتنة الشيطان حتى لا يخرجنا من جنة التكليف. كما فتن أبوينا فأخرجهما من جنة التجربة. ويقال عن هذا الأسلوب إنه أسلوب احتباك، وهو أن تجعل الكلام شطرين وتحذف من كل منهما نظير ما أثبت في الآخر قصد الاختصار.
وهذا هو الأسلوب الذي يؤدي المعنى بمنتهى الإيجاز لينبه ذهن السامع لكلام الله. فيلتقط من الأداء حكمة الأداء وإيجاز الأداء، وعدم الفضول في الأساليب. ﴿ لا يفتننكم الشيطان كمآ أخرج أبويكم من الجنة.. ﴾ [الأعراف: 27]. والفتنة - كما علمنا - هي في الأصل الاختبار حتى ننقي الشيء من الشوائب التي تختلط به، فإذا كانت الشوائب في ذهب فنحن نعلم أن الذهب مخلوط بنحاس أو بمعدن آخر، وحين نريد أن نأخذ الذهب خالصا نفتنه على النار حتى ينفض ويزيل عنه ما علق به. كذلك الفتنة بالنسبة للناس، إنها تأتي اختبارا للإنسان لينقي نفسه من شوائب هذه المسألة، وليتذكر ما صنع إبليس بآدم وحواء. فإذا ما جاء ليفتنك فإياك أن تفتن لأن الفتنة ستضرك كما سبق أن الحقت الضرر بأبيك آدم وأمك حواء. والشيطان هو المتمرد على منهج الله من الجن، والجن جنس منه المؤمن ومنه الكافر. فقد قال الحق سبحانه:
وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك..
[الجن: 11]. والشيطان المتمرد من هذا الجنس على منهج الله ليس واحدا، واقرأ قول الحق سبحانه:
أفتتخذونه وذريته أوليآء من دوني وهم لكم عدو..
[الكهف: 50]. وهنا يقول الحق سبحانه: ﴿ إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم.. ﴾ [الأعراف: 27]. و " قبيله " هم جنوده وذريته الذين ينشرهم في الكون ليحقق قسمه: