تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قوله تعالى: ﴿ وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن ﴾؛ أي وإلا تلطف بي بما يصرف عني كيدهن أمل إليهن بهواي، ﴿ وأكن من ﴾؛ بمنزلة، ﴿ الجاهلين ﴾؛ في فعلي. وفي هذا دليل على أن النسوة طلبن منه مثل ما طلبت امرأة العزيز، فإنه روي أنهن لما رأين يوسف استأذن امرأة العزيز أن تخلو كل واحدة منهن به، وتدعوه إلى امرأة العزيز وإلى طاعتها، فلما خلون به دعته كل واحدة منهن إلى نفسها.

قوله تعالى: ﴿ فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن ﴾؛ أي فأجابه ربه في دعائه فصرف عنه كيدهن، وعصمه من الفواحش، ﴿ إنه هو السميع العليم ﴾ لدعاء عباده، العليم بضمائرهم ونياتهم.

قوله تعالى: ﴿ ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين ﴾ أي بدا للعزيز وأصحابه من بعد ما رأوا العلامات من شق القميص وقطع الأيدي وقضاء ابن عمها عليها، أن يحبسه إلى مدة حتى تنقطع مقالة الناس، ويأتي على هذا الحديث مدة، فحبسه بعد ظهور عذره خمس سنين.

12.36-40

قوله تعالى: ﴿ ودخل معه السجن فتيان قال أحدهمآ إني أراني أعصر خمرا وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه ﴾؛ روي: أنه دخل على يوسف بعد دخوله الخمس سنين عبدان للملك، وهو صاحب شرابه وصاحب طعامه، غضب عليهما الملك، واتهم صاحب الطعام أنه يريد أن يسمه، وصاحب الشراب بأنه مالأه على ذلك، وذلك أن أعداء الملك أرادوا المكر بالملك واغتياله، فطلبوا هذين وضمنوا لهما مالا ليسما طعام الملك وشرابه، فأبى الساقي وقبل الخباز الرشوة فسم الطعام.

فلما حضر وقته قال الساقي: أيها الملك لا تأكل فإنه مسموم، وقال الخباز: أيها الملك لا تشرب فإنه مسموم. فقال الملك للساقي: اشرب، فشرب فلم يضره، وقال للخباز: كل من طعامك فأبى، فجربه الملك على دابة فأكلت من الطعام فماتت، فأمر الملك بحبسهما.

وكان يوسف قد قال لأهل السجن لما دخله: إني أعبر الأحلام، فقال أحد هذين القيمين لصاحبه: هلم فلنجرب هذا العبد العبراني برؤيا له، فسألاه من غير أن يكونا رأيا شيئا. قال ابن مسعود: (ما رأيا شيئا إنما كانا تحالما عليه ليجربا علمه).

وقال قوم: كانا رأياها على حقيقة ويقين، فقال الساقي: أيها العالم إني رأيت كأني في بستان وإذا بكرة عليها ثلاثة عناقيد فجنيتها، وكأن كأس الملك بيدي فعصرتهم فيه وسقيت الملك فشربه، وقال الخباز: إني رأيت كأن فوق رأسي ثلاث سلال من خبز وألوان الأطعمة فإذا سباع الطير تنهشه.

وإنما سمي العنب باسم الخمر لأن الشيء يسمى بما يؤول إليه، وقال الضحاك: (الخمر هو العنب) بعينه بلغة عمان، يدل عليه قراءة ابن مسعود (إني أراني أعصر عنبا). قال الأصمعي: (أخبرني المعتز أنه لقي أعرابيا معه عنب، فقال: ما معك؟ قال: خمر).

قوله تعالى: ﴿ نبئنا بتأويله ﴾؛ أي أخبرنا بتفسيره وتعبيره، وما يؤول إليه أمر هذه الرؤيا، ﴿ إنا نراك من المحسنين ﴾؛ أي العالمين الذين أحسنوا العلم. وقيل: من المحسنين إلينا إن قلت ذلك وفسرت رؤيانا. وعن الضحاك في قوله تعالى: ﴿ إنا نراك من المحسنين ﴾ قال: (كان إحسانه إذا مرض رجل في السجن قام عليه، وإذا أضاق وسع عليه، وإذا احتاج سأل له). وقيل: إحسانه أنه كان يداوي مريضهم، ويعزي حزينهم.

قال: (فكره يوسف أن يعبر لهما لما علم فيه من المكروه على أحدهم، فأعرض عن سؤالهما وأخذ في غيره) و ﴿ قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ﴾؛ أي لا يأتكما طعام تطعمانه وتأكلانه إلا نبأتكما بتفسيره ولونه أي طعام أكلتموه، قالا له: هذا من فعل الكهنة، قال: ما أنا بكاهن وإنما: ﴿ ذلكما مما علمني ربي إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون ﴾.

قوله تعالى: ﴿ واتبعت ملة آبآئي ﴾؛ أي شريعة آبائي، ﴿ إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنآ أن نشرك بالله من شيء ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون ﴾؛ وباقي الآية ظاهر المعنى.

التفسير الكبير · الصفحة ٩٣٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التفسير الكبيرص ٩٣٣