تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

12.13

قوله: ﴿ قال إني ليحزنني أن تذهبوا به ﴾؛ أي يحزنني ذهابكم به؛ لأنه يفارقني فلا أراه، ﴿ وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون ﴾؛ ذكر شيئين: الحزن لذهابهم، والخوف عليه أن يجده الذئب وحده وقت غفلتهم عنه فيأكله. وكان يعقوب قد رأى في منامه كأن ذئبا قد عدا على يوسف، فكان خائفا عليه، فمن ذلك قال: ﴿ وأخاف أن يأكله الذئب ﴾.

12.14

قوله تعالى: ﴿ قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة ﴾؛ أي ونحن جماعة ترى الذئب قد قصد، ﴿ إنآ إذا لخاسرون ﴾؛ أي لعاجزون والخسران هنا العجز.

12.15-18

قوله تعالى: ﴿ فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيبت الجب ﴾؛ أي فأرسله معهم، فلما ذهبوا به اتفقت دواعيهم أن يجعلوه في الجب، قال السدي: (خرجوا به من عند أبيهم وهم مكرمون له، فلما صاروا في البرية أظهروا له العداوة، فجعل أخ له يضربه، فيستغيث بالآخر فيضربه، لا يرى فيهم رحيما، فضربوه حتى كادوا يقتلونه.

فجعل يصيح ويقول: يا أبتاه لو تعلم ما صنع بابنك؟ فقال لهم يهودا: أليس قد أعطيتموه موثقا ألا تقتلوه؟ فانطلقوا به في الجب فدلوه فيه، فتعلق بشفير البئر، فربطوا يديه ونزعوا قميصه وقال: يا إخوتاه ردوا علي قميصي أتوارى به، فقالوا: أدع الشمس والقمر والأحد عشر كوكبا يلبسوك ويؤنسوك، فدلوه حتى إذا بلغ نصف البئر ألقوه وأرادوا أن يموت، وكان في البئر ماء فسقط فيه، وآوى إلى صخرة فقام عليها وجعل يبكي، فنادوا فظن أن الرحمة أدركتهم فأجابهم، فأرادوا أن يرضخوه بالحجارة ليقتلوه فمنعهم يهودا، وكان يهودا يأتيه بالطعام).

قوله تعالى ﴿ وأوحينآ إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا ﴾؛ قال المفسرون: أوحى الله إلى يوسف في البئر تقوية لقلبه: لتصدقن رؤياك، ولتخبرن إخوتك بصنعهم هذا بعد اليوم، ﴿ وهم لا يشعرون ﴾؛ بأن يوسف في وقت إخبارك إياهم بأمرهم، وكان فيما أوحي إليه: أن اصبر على ما أصابك واكتم حالك، فإنك تخبرهم بما فعلوا بك.

وعن ابن عباس: قال: (كان يومئذ ابن سبع عشرة سنة وبقي في الجب ثلاثة أيام). وفي بعض الروايات: أنه لما ألقي في الجب جعل يقول: يا شاهدا غير غائب، ويا قريبا غير بعيد، ويا غالبا غير مغلوب: اجعل لي من أمري فرجا ومخرجا، فأوحى الله إليه وهو في البئر: اصبر على ما أصابك واكتم حالك، فإنك تخبر إخوانك في وقت عن ما فعلوا بك في وقت إخبارك إياهم بأمرهم.

ثم عمدوا إلى سخلة فذبحوها، وجعلوا دمها على قميص يوسف، ﴿ وجآءوا أباهم عشآء يبكون ﴾؛ أي يتباكون، ﴿ قالوا يأبانآ إنا ذهبنا نستبق ﴾ أي نتسابق في الرمي، وقيل: نسابق في الاصطياد، ﴿ وتركنا يوسف عند متاعنا ﴾؛ ليحفظه، ﴿ فأكله الذئب ومآ أنت بمؤمن لنا ﴾؛ أي بمصدق لنا في أمر يوسف لفرط محبتك له وتهمتك إيانا فيه، ﴿ ولو كنا صادقين ﴾؛ محل الصدق عندك في غير هذا الحديث.

ثم أروه قميصه ملطخا بالدم، فذلك قوله تعالى: ﴿ وجآءوا على قميصه بدم كذب ﴾؛ أي بدم كذب، فلما نظر يعقوب إلى القميص قال: ما عهدت ذئبا حليما مثل هذا الذئب! فكيف أكل لحمه ولم يخرق قميصه؟! ولو أنهم كانوا مزقوا قميصه حين لطخوه بالدم، كان ذلك أبعد عن التهمة عنهم، ولكن لا بد في المعاصي أن يقترن بها الحزنان، ﴿ قال ﴾؛ يعقوب: كذبتم، ﴿ بل سولت لكم أنفسكم أمرا ﴾ أي زينت لكم أنفسكم في هلاك يوسف فضيعتموه، ويقال: إن يعقوب كما قال لهم: لو أكله الذئب فشق قميصه! قالوا: لو قتله اللصوص لما تركوا قميصه، هل يريدون إلا الثياب والمتاع، فسكتوا متحيرين.

قوله تعالى: ﴿ فصبر جميل ﴾؛ أي فصبر جميل أولى من الجزع، والصبر الجميل هو الذي لا شكوى فيه، قوله تعالى: ﴿ والله المستعان على ما تصفون ﴾؛ أي معناه: أستعين بالله على الصبر في ما يقولون.

وروي: (أن شريحا كان جالسا للقضاء، فجاءته امرأة تبكي وتشكو، فقيل له: يوشك أن تكون هذه مظلومة، فقال شريح: قد جاء إخوة يوسف أباهم عشاء يبكون وهم كذبة).

التفسير الكبير · الصفحة ٩٢٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التفسير الكبيرص ٩٢٥