تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكان فيهم يومئذ عدو الله حيي بن أخطب وكعب بن أسد رأس القوم في سبعمائة. وقيل: من ثمانمائة إلى تسعمائة، فقالوا لكعب وهو يذهب بهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم أرسالا: يا كعب ما ترى ما يصنع بنا؟ قال: ما لكم لا تعقلون! ألا ترون من ذهب منكم لا يرجع، هو والله القتل، فلم يزل ذلك دأبهم حتى فرغ منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أتي بحيي بن أخطب عدو الله وعليه حلة له فقاحية ويداه مغلولتان إلى عنقه بحبل، ثم أجلس فضرب عنقه ".

قالت عائشة رضي الله عنها: (كان علي والزبير يضربان أعناق بني قريظة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس هناك)، قالت عائشة: ولم يقتل من نساء بني قريظة إلا امرأة واحدة، كانت والله عندي تتحدث معي وتضحك، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقتل رجالها، فبينا هي كذلك إذ هاتف يهتف باسمها: أين فلانة. قالت: هي أنا والله. قالت عائشة: فقلت لها: ويلك وما تلك؟ قالت: طلبت لأقتل، قلت: ولم؟ قالت: حدثا أحدثته، قالت: فانطلق بها فضرب عنقها. قالت عائشة: ما أنسى عجبا منها، طيب نفس وكثرة ضحك، وقد علمت أنها تقتل). قال الواقدي: (واسم تلك المرأة نباتة) امرأة الحكم القرظي، وكانت قتلت خلاد بن سويد، رمت عليه رحى فقتله، فقتلها رسول الله صلى الله عليه وسلم بخلاد بن سويد.

وعن الزهري رضي الله عنه قال:

" كان رجل من قريظة يقال له الزبير بن باطا ويكنى أبا عبدالرحمن، مر يوما على ثابت بن قيس بن ثابت بن شماس في الجاهلية يوم بغاث، أخذه وحز ناصيته ثم خلى سبيله. فجاء ثابت بن قيس يوم بني قريظة فوجده قد صار شيخا كبيرا، فقال له ثابت: يا زبير هل تعرفني؟ قال: نعم؛ وهل يجهل مثلي مثلك؟ قال: فإني أريد أن أجازيك بما لك عندي من اليد، قال: افعل، فإن الكريم يجزي الكريم.

قال ثابت: فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله؛ قد كان للزبير عندي يد وصنيعة وله علي منة وقد أحببت أن أجزيه، فهب لي دمه، فقال صلى الله عليه وسلم: " هو لك " فأتاه، فقال له: يا شيخ؛ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وهب لي دمك. فقال: إني شيخ كبير، فإن ذهب أهلي وأولادي فما أصنع بالحياة؟ قال ثابت: فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته أهله وولده، فقال: " هم لك " فقلت: يا شيخ؛ قد وهب لي رسول الله امرأتك وأولادك. فقال: يا ثابت؛ كيف يكون أهل بيت بالحجاز لا مال لهم، فما بقاؤهم على ذلك؟ قال: فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته ماله، فقال: " هو لك " فأعلمته بذلك.

فقال لي: يا ثابت؛ ما فعل الذي وجهه مرآة مضيئة كعب بن أسد؟ قلت: قتل، قال: فما فعل سيد الحاضر والبادي حيي بن أخطب؟ قلت: قتل، قال: فما فعل مقدمنا إذا شددنا وحامينا إذا كررنا غزال بن شموال؟ قلت: قتل. قال: فما فعل ببني كعب بن قريظة وبني عمرو بن قريظة؟ قلت: قتلوا كلهم.

قال: فإني أسألك يا ثابت بما بيني وبينك من الصنيعة واليد إلا ما ألحقتني بالقوم فوالله ما لي في العيش بعد هؤلاء من خير، فما أنا بصائر حتى ألقى الأحبة. فضرب ثابت عنقه "

فلما بلغ أبا بكر الصديق رضي الله عنه قوله: ألقى الأحبة، قال: تلقاهم والله في نار جهنم خالدا فيها أبدا.

قوله تعالى: ﴿ وقذف في قلوبهم الرعب ﴾؛ أي ألقى في قلوبهم الخوف، ﴿ فريقا تقتلون ﴾؛ يعني المقاتلة، ﴿ وتأسرون فريقا ﴾؛ يعني الذراري، ﴿ وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم ﴾؛ يعني عقارهم ونخيلهم ومنازلهم وأموالهم من الذهب والفضة والحلي والعبيد والإماء، ﴿ وأرضا لم تطئوها ﴾؛ يعني أرض بني النضير، وقيل: أرض خيبر.

والمعنى: سيفتح الله لكم أرضا لم تطأوها الآن بأقدامكم يعني خيبر، ففتحها الله عليهم بعد بني قريظة. وقال الحسن: (هي فارس والروم)، وقال قتادة: (هي مكة). قوله تعالى: ﴿ وكان الله على كل شيء قديرا ﴾؛ فيه بيان أن الله قادر على إظهار الإسلام بغير القتال، وإنما أمر المؤمنين بالقتال ليعرضهم لجزيل الثواب.

التفسير الكبير · الصفحة ١٥٤٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التفسير الكبيرص ١٥٤٣