تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

3.146

﴿ وكأين ﴾ هذه يقولون: إنها للتكثير، مثل " كم " فعندما يقول لك إنسان مثلا: لماذا تجافيني؟ فتقول له: كم زرتك؟ إن قولك: " كم زرتك! " في ظاهرها أنها استفهام، وأنت لا تريد أن تقول له مستفهما كم مرة زرته فيها، بل تقول له: أنت الذي عليك أن تقول - لأنك بقولك ستعترف أني زرتك كثيرا، فيكون الجواب موافقا لما فعلت. وأنت لا تقول " كم زرتك " إلا وأنت واثق أنه إذا أراد أن يجيب فسيقول: " زرتني كثيرا " ولو كنت لا تثق أنه سيقول: زرتني كثيرا، لما قلتها، فعندما تقول له: كم زرتك، كم تفضلت عليك، كم واسيتك، كم أكرمتك؟ فإن " كم " تأتي للتكثير، وتأتي مثلها " كأين " إنها للتكثير أيضا، عندما تقول مثلا: " ياما حصل كذا " و " ياما " هذه معناها " كأين ". وقد يسألك صديق: كيف حدثت هذه الحكاية؟ فتقول له: كأي رجل يفعل كذا ويحصل له كذا، أي أن المسأله ليست غريبة، إن قولك: كأي رجل معناها أنها شاعت كثيرا، وعندما تقول: كم مرة زرتك، وكم من مرة زرتك فهذان الاستعمالان صحيحان والمعنى: كثير من نبي قاتل معه مؤمنون برسالته كما حدث وحصل مع رسول الله. وقوله الحق " ربيون " أي ناس فقهاء فاهمون سبل الحرب، و " ربيون " أيضا تعني: " أتباعا يقاتلون " ، و " ربيون " يمكن أن ينصرف معناها إلى أن منهجهم إلهي مثل " الربانيين ". وقول الحق: " فما وهنوا " أي ما ضعفوا، إذن فهو يريد أن يأتي بالأسوة، وكأنه سبحانه يقول: أنتم لماذا ضعفتم في موقفكم في غزوة أحد وأنتم تقاتلون مع رسول الله. لقد كان الأولى بكم أن يكون حماسكم في القتال معه أشد من حماس أي أتباع نبي مع نبيهم لأنه النبي الخاتم الذي سيضع المبدأ الذي ستقوم عليه الساعة، ولن يأتي أحد بعده، فكان يجب أن تتحمسوا فأنتم خير أمة أخرجت للناس، وأنا ادخرتكم لذلك. إن الحق يعطيهم المثل وفيه تعريض بهم وعتاب لهم، وفي هذا القول تعليم أيضا، فيقول: ﴿ وكأين من نبي ﴾ [آل عمران: 146] أي وكثير من الأنبياء ﴿ قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لمآ أصابهم ﴾ [آل عمران: 146] ونستوحي من كلمة " وهنوا " أي ما ضعفوا. فكأنه قد حدث في القتال ما يضعف، ﴿ فما وهنوا لمآ أصابهم ﴾ [آل عمران: 146] أي ما حدثت لهم نكسة مثلما حدثت لكم. ﴿ وما ضعفوا وما استكانوا ﴾ [آل عمران: 146]. وكل من " وهنوا " و " ضعفوا " و " استكانوا " هذه جاءت في موقعها الصحيح لأن " الوهن " بداية الضعف، و " الوهن " محله القلب وهو ينضح على الجوارح ضعفا.

و " استكانوا " ماذا تعني؟ إنها من " سكن ". والسكون تقابله الحركة. والحرب تحتاج إلى حركة، والذي يأتي للحرب فهو يحتاج إلى كر وفر. أما الذي لا يتحرك فهذا معناه أنه ليس لديه قدرة على أن يتحرك، وساعة تسمع - الألف والسين والتاء - وتأتي بعدها كلمة، نعلم أن " الألف والسين والتاء " للطلب، " فاستفهم " أي طلب أن يفهم، وهي تأتي لطلب المادة التي بعدها. كأن نقول: " استعلم " أي طلب أن يعلم، أو نقول: " استخبر " أي طلب الخبر، و " استكان " يعني طلب له كونا أي وجودا، فكأنهم بلغوا من الوهن ومن الضعف مبلغا يطلبون فيه أن يكون لهم مجرد وجود لأن الوجود مظهره الحركة، والحركة انتهت، هذا هو معنى " استكانوا ". وما دامت من الكون يكون وزنها - مثلما يقول الصرفيون - " استفعل " يعني طلب الكون، وطلب الوجود، وقد يكون وزنها ليس كذلك إذا كانت من سكن، وهي بهذا الاعتبار لا يكون فيها طلب لأن السين ستكون أصلية، فوزنها ليس " استفعل " بل هو " افتعل " ف " استكانوا " هل تعني أنهم طلبوا السكون؟ لا لأنهم كانوا ساكنين، إذن فالأولى أن يكون معناها أنهم طلبوا مجرد الوجود، هذا ما أميل إليه وأرجحه، وقيل في معناها: فما خضعوا وما ذلوا من الاستكانة: وهي الذلة والخضوع. ﴿ فما وهنوا لمآ أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين ﴾ [آل عمران: 146]. فما يصيب العبد ابتلاء من الله، وفي الحديث:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٧٦٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٧٦٥