تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

3.74

إن أحدا ليس له حق على الله فكل لحظة من لحظات الحياة هي فضل من الله، وهو سبحانه يعطي رحمته بالإيمان بمنهجه لمن يشاء وهو صاحب الفضل المطلق. وبعد ذلك يقول الحق سبحانه: ﴿ ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك... ﴾.

3.75

إنه مطلق الإنصاف الإلهي، فإذا كان الحق قد كشف للرسول بعضا من مكر أهل الكتاب فذلك لا يعني أن هناك حملة على أهل الكتاب وكأنهم كلهم أهل سوء، لا، بل منهم من يتميز بالأمانة، وهذا القول إنما يؤكد إنصاف الإله المنصف العدل. إن الحق سبحانه يخاطب النفوس التي يعلمها، فهو يعلم أن دعوة محمد صلى الله عليه وسلم، قد نزلت رحمة للناس أجمعين، ويخاطب بها العالم كله بمن فيه من أهل الكتاب، وهم الذين يعرفون الآيات والعلامات التي تدل على مجيء رسالة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومنهم أناس قد جعلوا دعوة محمد صلى الله عليه وسلم في بؤرة شعورهم ليدرسوها ويؤمنوا بها. ولو أن الله قد جعل الحملة على كل أهل الكتاب، لقال الذين كفروا في الإيمان برسول الله: " كنا نفكر في أن نؤمن، ونحن نريد أن ننفذ تعاليم الله لنا لكن محمدا يشن حملة على كل أهل الكتاب ونحن منهم ". فساعة يقول الله إن بعضا من أهل الكتاب يتميزون بالأمانة فإن من تراوده فكرة الإسلام يقولون: إن محمدا صلى الله عليه وسلم لا يتكلم إلا عن نور من ربه، لكن لو عمم القرآن الحكم على الكل، لتساءل الذين ينشغلون برغبة الإيمان بما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم " لماذا يعم الحكم الجميع ونحن نسير في الطريق إلى الإيمان؟ ". ولهذا يضع الحق القول الفصل في أن منهم أناسا يتجهون إلى الإيمان:

ليسوا سوآء من أهل الكتاب أمة قآئمة يتلون آيات الله آنآء الليل وهم يسجدون

[آل عمران: 113]. وفي هذا ما يطمئن الذين شغلوا أنفسهم بدراسة هذا الدين والتفكير في أن يؤمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم. لو كان القرآن قد نزل بلعنتهم جميعا لقال الذين يفكرون منهم في الإيمان " نحن لسنا كذلك ولا نستحق اللعنة، فلماذا يأتي محمد بلعنتنا؟ ". لذلك نرى القول بأن ﴿ ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ﴾ [آل عمران: 75] العدل المطلق في الإنصاف: وقد قال بعض المفسرين: إن القرآن يقصد هنا من " أهل الكتاب " النصارى لأن منهم أصحاب ضمير حي، ونحن نعرف أن المقصود بأهل الكتاب هم اليهود والنصارى، وفي هذا التفسير إنصاف للنصارى فصفة الخير لهم لا ينكرها الله، بل يشيعها في قرآنه الذي يتلى إلى يوم الدين، وذلك ليصدق أيضا أهل الكتاب أي أمر سيء تنزل فيه آيات من القرآن، لأن القرآن منصف مطلق الإنصاف. فما دام قد قال خصلة الخير فيهم فلا بد أن يكون صادقا عندما يقول الأمور السيئة التي اتصفوا بها.

وعندما يقول الحق سبحانه: " ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك " فالقنطار هنا للمبالغة في القدر الكبير من المال، وكلمة الأمانة حينما نستعرضها في كتاب الله عز وجل نجد أنها مرة تتعدى بالباء، كمثل هذه الآية ﴿ من إن تأمنه بقنطار ﴾ [آل عمران: 75] ومرة تتعدى ب " على ":

قالوا يأبانا ما لك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون

[يوسف: 11]. وقوله الحق:

قال هل آمنكم عليه إلا كمآ أمنتكم على أخيه من قبل فالله خير حافظا وهو أرحم الراحمين

[يوسف: 64]. إن مادة الأمانة تأتي متعدية مرة بالباء، ومرة متعدية ب " على ". وكل حرف من هذين الحرفين له حكمة، فالمتكلم هو الله. إن الأمانة هي شيء يأتمن فيه مؤتمن على مؤتمن ولا حجة لصاحب الشيء المؤتمن عليه إلا ذمة المؤتمن، فإن كانت العلاقة بينهما محكومة بإيصال أو عقد، أو شهود فهذه ليست أمانة، إنما الأمانة هي ما يعطيها إنسان لآخر فيما بينهما، وبعد ذلك فالمؤتمن بعد ذلك إما أن يقر بها وإما لا يقر بها. وقلنا سابقا: إن على المؤمن الحق أن يحتاط للأمانة، لأن هناك وقتا تتحمل فيه الأمانة، وهناك وقت آخر تؤدى فيه الأمانة إن طلبها صاحبها. ومثال تحمل الأمانة كأن يعرض عليك إنسان مبلغا من المال، ويقول: " احفظ هذا المبلغ أمانة عندك " فتقول له: نعم سأفعل. وتأخذ المبلغ، إن هذا الفعل يسمى " التحمل " ، وعندما يأتي صاحب المال ليطلبه فهذا اسمه " الأداء " والكل يضمنون أنفسهم وقت التحمل، وقد تكون النية هكذا بالفعل، ولكن المؤمن الحق لا يأمن ظروف الأغيار، فمن المحتمل أنه عندما يأتي صاحب المال ليطلبه من المؤتمن يجد المؤمن نفسه وقد انشغل بالأغيار، فقد تكون ظروف الحياة قد داهمته مما دفعه ليتصرف في الأمانة أو أن تكون نفسه قد تحركت، وقالت له: وماذا يحدث لو تصرفت في الأمانة؟ إن المؤمن الحق لا يضمن نفسه وقت الأداء، وإن ضمن نفسه وقت التحمل. إذن يجب أن نلحظ في الأمانة ملحوظتين هما " الأداء " و " التحمل ". والذين يأخذون الأمانة وفي نيتهم أن يؤدوها ضمنوا أنفسهم وقت التحمل، لكنهم لا يضمنون أنفسهم وقت الأداء لذلك فالمؤمن المحتاط يقول لنفسه: ولماذا أعرض نفسي لذلك، فقد يأتي وقت الأداء فلا أستطيع ردها لصاحبها. لذلك يقول لصاحب الأمانة: أرجوك ابتعد عني فأنا لن أحمل هذه الأمانة. إنه خائف من وقت الأداء وذلك ما حدث في أمانة التكليف والاختيار والتي قال عنها الحق سبحانه:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٦٤٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٦٤٦