3.176
لقد كان المنافقون في أول المعركة مختفين ومستورين، ثم ظهرت منهم بادرة الانخذال في أحد فكانوا أقرب إلى الكفر منهم إلى الإيمان، ولكنهم من بعد ذلك سارعوا إلى الكفر، كأن هناك من يلاحقهم بسوط ليتسابقوا إلى الكفر. وها هو ذا الحق سبحانه قد حدد عناصر المعركة، أو قوى المعركة، أو ميدان المعركة أو جنود المعركة، فينبه رسوله: ﴿ ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر ﴾ [آل عمران: 176] ولم يقل: لن يضروكم شيئا لأن الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته المؤمنين ليسوا طرفا في المسألة، فعداء الذين يسارعون في الكفر هو عداء لله لذلك يقول الحق: ﴿ إنهم لن يضروا الله شيئا ﴾ [آل عمران: 176]. كأن المعركة ليست مع المؤمنين. ولكنها معركة الكافرين مع الله، وما دامت المعركة مع الله فالمؤمنون جند الله وهم الصورة التي أرادها الله لهزيمة الكافرين:
قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين
[التوبة: 14]. فلو كانت معركة الكفر مع المؤمنين بالله فقط لقال الله: ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر إنهم لن يضروكم شيئا، لكن المسألة ليست هكذا، لقد أراد معسكر الكفر والنفاق أن يدخل معركة مع الله، ولا توجد قوة قادرة على ذلك، ولهذا يطمئن الله المؤمنين أكثر، ليزدادوا ثباتا على الإيمان لأن الكل من البشر مؤمنين وكفارا أغيار، وقد يتحول بعض من البشر المؤمنين الأغيار عن المنهج قليلا، فعندما تكون المعركة بين بشر وبشر فقد يغلب أحد الطرفين بقوته. ومن أجل المزيد من الاطمئنان الكامل نقل الله المعركة مع الكفر إلى مسألة أخرى، إنه بجلاله وكماله وجبروته هو الذي يقف ضد معسكر الكفار. والمهم فقط أن يظل المؤمنون في حضانة الله. والرسول كان يحزنه أن يسارع البعض إلى الكفر. فهل رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعلم أنه إنما جاء مبلغا فقط؟. إنه يعلم ولكنه كان يحرص - صلى الله عليه وسلم - على أن يؤمن الناس جميعا ليذوقوا حلاوة ما جاء به، هذا الحرص هو الذي يدفع الحزن إلى قلب الرسول، وعندما يرى واحدا لا يتذوق حلاوة المنهج، فالرسول يأمل أن يذوق الناس كلهم حلاوة الإيمان لأنه صلى الله عليه وسلم رءوف رحيم بالمؤمنين، بل وبالناس جميعا ﴿ ومآ أرسلناك إلا رحمة للعالمين ﴾ [الأنبياء: 107] ودليل ذلك أن جاءه التخيير.
" فقد نادى جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: " إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم. قال: فناداني ملك الجبال وسلم علي ثم قال: يا محمد، إن الله قد بعثني إليك وأنا ملك الجبال لتأمرني بأمرك فما شئت؟ إن شئت أطبق عليهم الأخشبين؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئا " ".
فالرسول صلى الله عليه وسلم لا يبقى على هؤلاء فقط ولكنه يحرص أيضا على الأجيال القادمة. وقد كان. وخرج من أولاد كفار قريش صناديد وأبطال وجنود دعوة وشهداء. فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم - كما أخبر الله في آيات القرآن - يحزن عندما لا يذوق أحد حلاوة الإيمان، ويقول الحق:
فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا
[الكهف: 6]. وفي موقع آخر يقول الحق:
لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين * إن نشأ ننزل عليهم من السمآء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين
[الشعراء: 3-4]. والحق سبحانه وتعالى لا يريد أعناقا، لكنه يريد قلوبا تأتي له بعامل الاختيار والمحبة، فباستطاعته وهو الخالق الأكرم أن يخلق البشر على هيئة عير قابلة للمعصية، كما خلق الملائكة، إن كل الأجناس تسبح بحمده، إذن فالقرآن يبين حرصه صلى الله عليه وسلم بأن يؤمن الناس جميعا وأن يذوقوا حلاوة اللقاء بربهم، واتباع منهج الله وحلاوة التشريع الذي يسعدهم ويسعد كل ملكاتهم. فإذا ما جاءت المسائل على غير ما يحب رسول الله. فها هو ذا قول الله سبحانه: ﴿ ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر ﴾ [آل عمران: 176]. وهذا دليل على أن الله يريد أن يبلغ البشر: أيها الناس إن من فرط حب الرسول لكم أنه يحزن من أجل عصيانكم وأنا الذي أقول له: لا تحزن. والرسول صلى الله عليه وسلم رحيم بالأمة كلها، كما يقول القرآن: