3.105
وهذا القول الحكيم ينهى عن اتباع الهوى الذي يؤدي إلى الفرقة. برغم وضوح آيات الحق سبحانه لهم، لأن لهؤلاء الذين يتبعون الهوى من بعد وضوح قضية الحق سيصليهم الله النار، ولهم عظيم العذاب. وبعد ذلك يقول الحق: ﴿ يوم تبيض وجوه وتسود وجوه... ﴾.
3.106
وهنا يجب أن نعلم أن الاسوداد والابيضاض هما من آثار اختلاف البيئات في الدنيا، فالشخص الأسود يزيد الله في تكوينه عن الشخص الأبيض بما يناسب البيئة، لأن المادة الملونة للبشرة في جسده موجودة بقوة، لتعطيه اللون المناسب لمعايشة ظروف البيئة، أما أبيض البشرة فلا يملك جسده القدر الكافي من المادة الملونة، لأن بيئته لا تحتاج مثل هذه المادة الملونة. إذن فالسواد في الدنيا لصالح المسود، أما في هذه الآية، فهي تتحدث عما سوف نراه في الآخرة حيث يكون السواد والبياض مختلفين، تماما كما تتبدل الأرض غير الأرض والسماوات غير السماوات، وكذلك يتبدل أمر السواد والبياض، إنه لن يكون سوادا أو بياضا من أجل البيئات. ولذلك ستتعجب يوم القيامة لأنك قد ترى إنسانا كان أسود في الدنيا، وتجده أبيض في الآخرة، وتجد إنسانا آخر كان لونه أبيض في الدنيا ثم صار أسود في الآخرة. فلا يظن ظان أن الإنسان الأسود في الدنيا مكروه من الله، لا، إن الله يعطي كل واحد ما يناسبه، بدليل أن الله قد أمده باللون الذي يقويه على البيئة التي يحيا فيها. وفي مجالنا البشري، نحن نعطي المصل لأي إنسان مسافر إلى مكان ما، حتى نحميه من شر مرض في المكان الذي يذهب إليه، كذلك خلق الله في الأرض فقد أعطى سبحانه لكل إنسان في تكوينه المناعة التي تحفظه فالله لا يكره السواد لأنه حماية للإنسان من البيئة. وهذه المسألة ستتبدل يوم القيامة كما تتبدل الأرض غير الأرض، وتبيض الوجوه المؤمنة، وتسود الوجوه الكافرة. أو أن البياض والسواد كليهما، أمر اعتباري، بدليل أنك ترى واحدا أبيض ولكن وجهه عليه غبرة ترهقه قترة، وترى واحدا آخر أسود اللون، ولكن نور اليقين يملأ وجهه، وبريق الصلاح يشع منه، وأنت لا تقدر أن تمنع عينيك من أن تديم النظر إليه، ولذلك قال الحق:
وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة
[القيامة: 22-23]. أي أن ما في داخل النفس إنما ينضح على قالب الإنسان وتظهره ملامحه، فقد يكون الأسود مضيء الوجه بالبشر والإشراق والتجلي بالجاذبية الآسرة، وقد يكون الإنسان أبيض الوجه لكنه مظلم الروح. وهكذا نفهم أن اسوداد بشرة إنسان في الدنيا، إنما هو لمساعدة الإنسان على التواؤم مع البيئة، ومثال ذلك سواد العين وبياضها، هل يستطيع أحد أن يقول: إن بياض العين أحسن من سوادها، أو العكس؟. لا لأن كل شيء معد لمهمته. ومثال آخر: عندما يأتي عامل البناء ليثني عمود الحديد المستقيم ويلويه، فهل يقال: إن هذا الإنسان قد عوج الحديد؟. لا إنه يريد أن يشكل عود الحديد ليكون صالحا لمهمة معينة. وكذلك الاسوداد أو الابيضاض في الدنيا، إنما أراده الله ليتناسب مع ظروف الحياة في البيئة، أما في الآخرة فالدنيا قد زالت وفنيت، والأرض لن تكون هي الأرض والسماء لن تكون هي السماء فالحق يقول:
يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا لله الواحد القهار
[إبراهيم: 48]. فالمؤمن حين يرى ما أعده الله له من النعيم المقيم يقابل عطاء الله باستشراف نفس وسرور وانبساط، أما الذي يرى مقعده من النار فلا بد أن يكون مظلم الوجه. والحق سبحانه يوجه سؤالا لهؤلاء: " أكفرتم بعد إيمانكم " أو كأن هذا أمر يفاجئ من كان يعرف هؤلاء الناس في الدنيا فقد رأوهم في الدنيا بيض الوجوه، ولكن يرونهم يوم القيامة وعلى وجوههم غبرة سوداء وترهقهم قترة، فيقولون لهم: " أكفرتم بعد إيمانكم "؟. وكأن ذلك هو سمة من يكفر بعد الإيمان. هذه هي سمتهم وعلامتهم في الآخرة أي ما الذي صيركم إلى هذا اللون؟ إنه الكفر بعد الإيمان. فمن هم الذين كفروا بعد الإيمان؟ هذا يعني أن الإيمان قد سبق ثم طرأ على الإيمان كفر، وماتوا على ذلك الكفر، وهذا قول ينطبق على الذين ارتدوا عن الإسلام مثل ابن الأسلت وغيره، وهؤلاء كفروا بعد الإيمان. أو يكون " أكفرتم بعد إيمانكم " يجعلنا نقول: البعدية هنا لا بد أن يكون لها قبلية: ألم يأخذ الله على خلقه عهدا في عالم الذر حين استخرجهم من ظهر آدم؟ وقال سبحانه: